النكاح صحة وفسادا وآثارا في المذهب الإباضي
الجزء ١ · صفحة ١١٧ه - كما أن حاجة الإنسان في هذه الحياة تدعوه إلى الاجتماع والاختلاط فلا غنى للزوجين عن معاشرة الأقارب الأقربين في ألفة وامتزاج وبغير تحفظ وتكلف، كما أن إباحة الزواج من هؤلاء تقتضي الحكم عليهم بالتباعد وتحريم الاختلاط بينهم لئلا يكون ذلك وسيلة إلى أن يتولد في نفوسهم طمع بعضهم في بعض فتكون المفاسد التي لا حد لها، فمن الواجب ألا يلتقي الأخ بأخته أو الابن بأمه؛ لأن لقاءه يفتح باب الطمع والتطلع فتصبح البيوت مسارح لتمثيل أدوار العشق والغرام، وفي تحريم اللقاء والاختلاط بينهم من الحرج ما لا يخفى وأي حرج في منع لقاء الرجل بابنته أو الاجتماع بأمه وأخته وعمته أو خالته؟ فلم يكن ثمة طريق لرفع هذا الحرج تلك المفاسد غير تأبيد التحريم لتنقطع الأطماع وتفتر الرغبات ويلتقي الجميع، ويختلطون في أمان.
ودفع
6 - إن إباحة الزواج من هؤلاء تثير التنازع بين الأخوة والأقارب بسبب التنافس على الزواج بهن وأي نزاع أقبح من أن يتنازع أخوان على التزوج بأختهما، أو يتنازع أب يريد التزوج بابنته مع ابنه الذي يرغب في الزواج بها.
وبعد هذا كله فإن الفطرة السليمة تأبى أن يفترش الأب ابنته، أو الابن أمه، أو الأخ أخته، وكيف يستسيغ ذلك الإنسان العاقل مع أن بعض الحيوانات لا تطلب أليفها إلا من غير بيتها؟
-
قرر علماء الحياة (البيولوجيا) أن التزاوج بين الأقارب الأقربين يضعف النسل، وأن التزاوج بين المتباعدين يقويه لذلك كان العرب يستحسنون التزوج بالبعيدات ويرون أن ذلك أنجب للولد، وأقوى للبدن، وهذه حقيقة ثابتة طبا وشرعا، وفي هذا المعني كما في الأثر: «اغتربوا لا تضووا) أي تزوجوا في الغرائب البعيدات حتى لا يضعف أولادكم، فيأتي النسل ضاويا أي هزيلا ضعيفا، وقد لا حظ ذلك عمر بن الخطاب فقال لآل السائب وقد رآهم يتزاوجون فيما بينهم: «قد أضويتم فانكحوا في النوابغ (2).
1 - مثل عربي: النهاية في غريب الحديث والأثر جـ 3، ص 106. 2 - محمد مصطفى شلبي: أحكام الأسرة في الإسلام طع، مطبعة الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان: 1403 هـ - 1983 م، ص 186 - 188. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ج 8 ص 131. أحمد الغندور: ص 108 - 110 / محمد أبوزهرة: ص 106 - 107. بدران أبو العينين: ص 84، 85.
109