الإباضية في مرآة علماء الإسلام قديما وحديثا
الجزء ١ · صفحة ٨٨من البلدان، فلما علموا ذلك من أمره جمعوا أموالا عظيمة وبعثوا بها مع نفر من ثقاتهم، وقال بعضهم لبعض: قد ظهر بالمغرب إمام ملاه عدلا، وسوف يملك المشرق ويملأه عدلاً، فانهضوا إليه بما معكم من هذه الأموال حتى تردوا المدينة التي سكنها، فإن كان على ما نُقل لنا من حسن طريقته وصحة سيرته فادفعوها إليه، وإن كان على غير ذلك فانظروا إلى أفعاله ومايتولاه من الأحكام بين رعيته ثم آتونا بذلك كله، فمضى القوم حتى أتوا المدينة يسألون كل من لقوه من الناس عن دار الإمام عبد الرحمن حتى وقفوا عليها وأصابوا عند بابها غلاما يعجن طينا، ورجلا على سطح يصلح شقاقا فيه، والغلام يناوله ما يصلح به، فسلموا على الغلام فرد السلام ثم قالوا: هذه دار الإمام؟ فقال: نعم فقالوا: له استأذن لنا منه وأعلمه أنارسل إخوانه إليه من البصرة فرفع الغلام رأسه إلى سيده وقد علم أنه كلامهم، فقال: قل للقوم يصبروا قليلا ثم أقبل على ماكان عليه من إصلاح عمله حتى انقضى والقوم ينظرون إليه وهم شاكون فيه هل هو صاحبهم أم لا، حتى نزل عن سطحه إلى داره فغسل ما كان بيده من أثر الطين ثم توضأ وضوء الصلاة فأذن للقوم فدخلوا عليه فوجدوا رجلا جالسا على حصير فوقه جلد وليس في بيته شيء سوى وسادته التي ينام عليها وسيفه ورمحه وفرسه مربوط في ناحية من داره،
سمع
الهجري والثاني كانت عمانية المسكن وإباضية الفكر، لقد صدق المثل السائر الذي شبه العلم بالطائر فقال: باض بالمدينة وفرخ بالبصرة، وطار إلى عُمان وإلى شمال إفريقيا.
-90 -