دية المرأة في الشريعة الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٠٥104
دية المرأة في الشريعة الإسلامية
رَجَعَتْ إِلَى النِّصفِ، وَهُوَ قَولُ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ وجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَ بِهِ أَحْذَ الجمهور. وذهب آخرُونَ إلى أنَّ ديةَ جراحاتِ المرأةِ هي علَى النّصفِ مِنْ دِيةِ جراحاتِ الرجل فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُر، وبهذا قال الإمامُ عَلِيٍّ كرَّمَ اللهُ، وجْهَهُ، و بِهِ أَخذَ الشَّافِعِيَّةُ والحنفية)
والهادوية.
لكِنَّنِي لَمْ أقفُ عَلَى هذا الحديثِ في كُتُبِ الحَدِيثِ الصَّحِيحَة، ويشيرُ الإمام الشوكاني (نيل الأوطار 225/ 7) إلى أنَّ البهقي قالَ فِيهِ: "إسنادُهُ لَا يَثبُتْ مِثْلُهُ، كَمَا أخْرَجَ البَهْقِيُّ عَنْ عَلِيَّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ مِثْلَهُ مَوقُوفًا، وهوَ مِنْ رِوايَةِ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ عنه، وفيه انقطاع. وأشارَ بَعضُهُمْ إِلَى أنَّ هذا الحُكْمَ مُستفادٌ مِنْ كِتابِ عَمْرِو بنِ حَزِمِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الرسول عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إِلَى اليَمَنِ، وفيه الفرائض والسُّنَنُ والدِّيَاتُ، لَكِنْ مَا جاءَ فِيهِ حَسْبَ كُتُب الحديثِ هُوَ أنَّ الرجلَ يُقْتَلُ بالمَرْأَة " ولَيسَ فِيهِ ذِكرٌ لِتَنْصِيفِ دية المرأَةِ. كَمَا تَكَلَّمَ المُحَدِّثُونَ فِي سَنَدِ الحِديثِ فَمِنهُم مَنْ ضَعَّفَه كأبي داود، ومنهُمْ مَنْ صَحَّحَهُ كابن حِبَّان.
هذَا مِنْ حيثُ السُّنَّة، أمَّا مِنْ حَيثُ القرآنُ، فَلَمْ أَجِدْ دلِيلًا يُفِيدُ هَذَا الحُكمَ أو يُشِيرُ إليه أو يُزَكِّيْه، والآيةُ الكَرِيمةُ الَّتِي وردتْ في هَذا الشَّأْنِ هِيَ عَامَّةٌ تَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، حَيثُ يَقولُ تَبارَكَ وَتَعَالَى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) (النساء 92/ 4)، فَلَمْ يُميّزْ سُبحانَهُ وَتَعَالَى بينَ دية نفسٍ ذَكرٍ ودِيةِ نفسِ أُنْثَى، مَعَ أَنَّهُ سُبحانَهُ وَتَعَالَى حَرَصَ عَلَى تَأْكِيدِ مَا يَحْتَلِفَانِ فِيهِ مِن أَحْكَامٍ عِندما تَتَرتَّبُ عَلَهَا آثارٌ واختلافات
أُخْرَى، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ في أَحْكام بعض العِبَاداتِ، وأَحْكامِ الزواج والميراث. وإِذَا اعْتَبَرْنَا الآيةَ مُجملةً، ومِنْ وظائفِ السُّنَّةِ تَفصِيلُ مُجْمَلِ القُرآنِ وتَخصيص عَامِهِ وتقييدُ مُطْلَقِهِ، فإنَّ هذِهِ السُّنَّةَ يَنبغِي أَوَّلَا أَنْ تَكُونَ صحيحة ثابتة عن النَّبِيِّ
عَليه الصلاةُ والسَّلام.