دية المرأة في الشريعة الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٥٣52
دية المرأة في الشريعة الإسلامية
لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا تُقْتَلُ بِهِ ويُقْتَلُ بِهَا فِي حَالِ العَمْدِ العُدْوَانِيِّ وأَنَّهَا تُكَافِئُهُ فِي الدَّمِ فِي هَذَا البَابِ فَتَكُونُ مُخَالَفَها لَهُ فِي مِقْدَارِ الدِّيَةِ فَحَسْب.
واعتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ قِياسَ الدِّيَةِ عَلَى المِيْراثِ والشَّهادةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لأَنَّ بَابَ الميراثِ وبَابَ الشَّهادةِ غَيْرُ بَابِ الدِّيَةِ، والتفرِقَةُ بَينَ الرَّجُلِ والمَرأةِ تَفرِقِةٌ لَهَا أَسْبَابُهَا واعْتِبَاراتُها، ولَوْ صَحَ القِياسُ هُنا لَكَانَ الأَوْلَى أنْ نَقِيْسَ الدِّيَةَ عَلَى القِصَاصِ لأَنَّهُمَا مِنْ بَابِ واحِد.
وأُجِيبَ عَلَى ذلك بأمرين:-
أمَّا أَوَّلاً: فَلَمَّا جَازَ جَعَلُ مِيراثها نِصف ميراثِ الرَّجُلِ وشَهادةِ امْرَأَتَينِ مُقابِلَ رَجُلٍ واحد، وثَبَتَ ذَلكَ عَنِ الحَكِيمِ الخَبِيرِ الَّذِي يَعلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وهُوَ العَالِمُ بِمَصَالِحِ العِبادِ ومَضارِهِم؛ فالقِيَاسُ صَحِيحٌ، ولا مَانِعَ مِنهُ، وأَيُّ غَضاضةٍ فِي ذَلِكَ والعَلِيمُ الخَبِيْرُ حَكَمَ بِهِ،؟! مَعَ أَنَّ تَنْصِيفَ الدِّيَةِ ثَابِتٌ بِأَدِلَّةٍ صَحِيحَةٍ غَيرِ القِياسِ كَمَا مَرَّ، وإِنَّمَا القَولُ بالقِياسِ هو: مِنْ بَابِ عَصْدِ الدَّلِيلِ بالدِّلِيلِ فَقَطُّ، وَكَونُ التَّفْرِقَةِ بَينَ الرَّجُلِ والمَرأةِ فِي الميراث والشَّهَادَةِ لَهَا أَسْبَابُهَا واعْتِبَارَاتُها؛ فَكَذلكَ التَّفْرقةُ فِي مِقْدَارِ الدِيَةِ فِي قَتلِ الخَطَا لَهَا أَسْبَابُها واعْتِبَارَاتُهَا، عَلِمَها من عَلِمَها وجَهِلَها من جَهِلَها بَل عِلمُ اللهِ الَّذِي يَعلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُحْفِي الصُّدُورُ فَوقَ كُلِّ شَيْءٍ، وقد ظَهرَ لنَا النَّزِرُ اليَسيرُ، وما خَفِيَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ؛ إِذْ هُوَ العالمُ بِمَصالِح العِبادِ ومَضَارّها (وَأَنَّ اللهَ قَدْ
أحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) الطلاق. وعِلْمُ رسولِ اللهِ لا وَحْيٌ مِنَ اللهِ. كما سبق الكلام عليه.
وأَمَّا ثَانِيَّا: فقدْ سَبَقَ القَولُ بأنْ قِسْنَا الدَّمَ عَلَى الدَّمِ فِي القِصاصِ كَمَا سَبَقَ الكلامُ عَليهِ، وقُلْنَا: إِنَّ الدَّمَ واحِدٌ؛ فَدَمُ كُلّ مِنْهُمَا وَفَاء لِلآخَرِ، وأنَّ الدَّمَ لَا يَتَجَزأ، فَلَا يُقالُ بأَنَّ دَمَهَا كَنِصفِ الرَّجُلِ وَعَلَهَا الْمُفَاضَلَةُ.