علماء جربة
الجزء ١ · صفحة ٥٠الكبير، فأكثروا من إطلاق المكاحل، فطاشت عقول الناس من سماع البارود. ودخلوا عليه وأخبروه بما أصابهم من الروع (39)، ودعا الله فأبطل حركتهم. ودخلوا المنزل وهم منكوسو مكاحلهم، ساكنون كأنهم في نفس واحدة (40). فلما تغدوا واتفق معهم فيما يعطونه ورجع خرج إلى الناس بفضلة غدائهم في شارية بين يدي رجلين يحملونها، وهو رحمه الله بمقربة في يده يعطي لكل عشة مغرفة حتى دار على ذلك الجمع العظيم (41).
و كانت إقامة الباشا (42) بجربة نحو شهرين يبطش و يستدى ويسبي وأكثر ضرره على صدغيان (43). ولما رجع إلى طرابلس رحم الله جربة بالأمطار الغزيرة التي لم يعهد مثلها، وصار عليها زيتون كثير وتمر.
39) في الأصل في: أ ودخلوا عليه واخبروهم بما اصابهم. 40) في الأصل في أ: وهم منكوسون مكاحلهم ساكنين.
41) «خرج إلى الناس بفضلة غدائهم في شارية». كذا في. أ. الشارية: هي قفة كبيرة الحلفاء. أما من الفضلة فواضح أن المقصود بها ما تبقى من الغداء الذي قدمه الشيخ أبو مسور إلى الأتراك، والذي وزعه على الأهالي الذين التجؤوا إليه، والذين أقاموا في أعشاش كما تجد نفس الرواية في تاريخ ابن يعقوب حول الوساطة التي قام بها الشيخ يوسف بن ابي مسور، وهي منسوبة للحيلاتي أيضا وقد تكون بتصرف من الشيخ سالم بن يعقوب رحمه الله. وهذا نص الرواية: «إجتمعت الناس وفزعت إلى منزل الشيخ الفاضل يوسف بن أبي مسور خائفين من شدة الهول الذي أصابهم من فتنة درغوث بن علي التركي صاحب طرابلس في هجومه على حربة ومعه العربان من السبوعية وأولاد شبيل وأهل زوارة وقتلوا من أهل جربة خلقا كثيرا. ومع درغوث الشيخ عمر بن موسى بن جلود وجماعة من مشيخة بني معقل وآركو و ميدون. فهربوا إلى منزله وقعدوا فيه مثل أسطار العنب (يعني صفوفا مثل صفوف أشجار العنب)، يجعل كل واحد منهم على عياله وحريمه سترا من عباءة وجريدة النخل. وكان الشيخ يوسف رسولا بين الجربيين والأتراك ومن معهم، ودعاهم إلى منزله ليصلح بينهم. فأجابوه إلى ذلك. فسبق الجربيون إلى المنزل، ومكث الأعداء في السوق الكبير. ثم خرجوا ذاهبين إلى المنزل أيضا. فأكثروا من إطلاق المكاحل. فطاشت عقول الناس من سماع البارود. فدخل الجربيون على الشيخ يوسف في منزله وأخبروه بما أصابهم من الهول والروع، فدعا الله وابتهل اليه وأبطل حركاتهم. فدخلوا المنزل وهم منكسون ساكنون، لا تسمع لهم قعقعة سلاح. وجعل الشيخ يوسف طعاما للأعداء تليينا لقلوبهم المتحجرة. وبعدما أكلوا طلبوا غرامة مالية من أهل جربة. فاتفق معهم الشيخ يوسف على مقدار ما يستطيعونه بشرط إحماد الفتنة. ولما أخذوا المبلغ المتفق عليه خرجوا راجعين وخرج الشيخ يوسف على الجربيين بالطعام». سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة حربة ص 122.
نلاحظ هنا أن الرواية تتحدث خطأ عن درغوث باشا لأن الباشا المقصود هو ابراهيم باشا حاكم
طرابلس. انظر ايضا: رسالة ابن تعاريت ص 25.
42) يقصد ابراهيم باشا. راجع التعليق 21.
16