مشكاة الأصول حمد بن عبيد بن مسلم السليمي أبو عبيد

مشكاة الأصول

الجزء ١ · صفحة ٢٠٢

مشكاة الأصل

دينه منه، فإذا اشتغل بأداء فرضه عَطَّلَ فرضَ الدَّيْنِ المضيَّقِ عليه تركه، فهو مأمورٌ بأداء الصلاة من حيث إنَّها صلاة، منهي عن التمادي بأداء الدين، فهو طائع من وجه، عاص من وجه آخر.

ويُستثنى من هذه القاعدة فيما إذا ضاق فرضُ الصلاةِ وحضره الدين يطلب منه دينه؛ فهنا يجب عليه أولا أداء فرضه عن قوته، ثُمَّ يقضي دينه، إذ ليس هو من باب لا تترك فريضةٌ حاضرة بأداء فريضة غائبة، لكنه من باب إذا حضره فرضان خُيْرَ في أداء أيهما شاءَ إِنْ كانا سواءً في الفَوْتِ، وإلا قدَّمَ ما يُخافُ فوتُه على ما لم يفت. وإن كان أحدهما فائنا، وحضر الآخر، خُيّر بينَ أنْ يقضي الفائت أولا، أو يؤدّي الحاضر، إلا إن خاف فوت الحاضر ترجح عليه أداؤه. وكذا من دخل بيت الغير أو زرعه، فتاب هنالك، لكنه لم يمكنه الخروج إلا بالاستيلاء على ملك الغير، وعلى ضياع زرعه، فهو مأمورٌ بالخروج مما دخل فيه، منهي عن الإقامة عليه، لكن عليه أن يتحرى للخروج أسهل الطرق، ويلزمه عزم ما أتلف، ولا إثم عليه؛ / 223/ لتعذر مروره إلا في ملك الغير.

3

وقال أبو هاشم: هوَ عاص في حال خروجه؛ لأنَّه متصرف في ملك الغير. ولعلَّ حجّته في ذلك أنَّه ألجأ نفسه قبل التوبة على الاستيلاء على مِلْكِ الغير، فلا تنفعه تلك التوبة؛ لأنَّه عاص في مدة إقامته حتى يخرج ما ألجأ نفسه إليه. وخطأه الأصوليون في ذلك.

وكذا مَنْ طالبه أصحاب الودائع أو الأمانات في ردها، وكانَتْ أمانة أحدهما حاضرة، وأمانة الآخرين غائبة؛ فليس له أن يتشاغل برد الغائبة ويترك ردَّ الحاضرة. فإذا فعل دخل في القاعدة الأولى، وهي أنَّه لا تُترك فريضةٌ حاضرة لفريضة غائبة. والله تعالى أعلم (3).

00.

(3) (2)

(1) هو أبو هاشم الجبائي المعتزلي، وقد تقدمت ترجمته. (2) انظر: السبكي، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ج 1، ص. (3) إلى هذا الموضع انتهى كتاب المشكاة وفق النسخ المخطوطة الثلاث التي عثرت عليها، والظاهر أن الكتاب لم تكتمل فصوله وأبوابه بعد، فلا خاتمة تشعر بذلك، وثمة أبواب أخر لم يتعرض لها الكتاب بعد من أبواب الاستدلال والأدلة التبعية وغيرها من مباحث الاجتهاد وعسى أن يمن المولى سبحانه بالعثور على مخطوطة للكتاب تفتح لنا باب إكماله، والله الأمر أولا وآخرا.

198