أدب القضاء في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ١٠٥104
أدب القضاء في الإسلام
ويكره له استماع الدعاوى الباطلة والملفقة التي ليس من شأنها إلا إشغاله وإشغال المدعى عليه وتعطيل العدالة بما لا جدوى منه، كما يكره له أن يستدعي المدعى عليه إلا بعد أن يعرف دعوى المدعي هل مما يسمع من الدعاوى أم لا؟ كي لا يعطل أحدا على حساب آخر دون مبرر؛ لأن كثيرا من أنواع الدعاوى غير مسموعة بل منها ما لا يصح سماعها، وعمل قضاة زماننا على خلاف ما تقدم، فإذا أتى لهم شخص فقال لي دعوى على شخص يأمرون بإحضاره من غير أن يستفسروا المدعي عن دعواه ليعلموا صحتها من فسادها، وهذا منهم غفلة أو جهل. 4 ذلك أن الدعاوى على ثلاثة أضرب أحدها لا يجوز أن تسمع أصلاً ومثل ذلك أن يدعي رجل على رجل أنه وعده أن يهبه أو يتصدق عليه أو يدعي شيئاً لا يحل؛ كأن يدعي حقا مقابل خمر أو خنزير أو ربا أو زنا أو نياحة وما أشبه ذلك، أو يدعي رجلاً غريباً مشهور النسب أنه مملوكه، أو رجلاً أكبر منه سنا أنه ولده وأمثال هذا الذي لا يمكن أن
144
يكون، فلا تسمع فيه الدعوى ولا يطالب فيه المدعي بالبينة.
ودعوى مسموعة ويطالب فيها المدعي بالبينة؛ وذلك مثل: إنسان يدعي على آخر حقاً في مال أو متاع أو أصل من الأملاك أو الحيوان في يده ويمكن أن يكون له، فيطالب المدعي في ذلك بالبينة فإن أعجزها وطلب يمين المنكر كان له عليه اليمين. ودعوى مسموعة ولا يطالب فيها المدعي بالبينة؛ وذلك مثل رجل في يده رجل أو امرأة لا يعلم أمرهما إلا أنهما في خدمته ويصرفهما فيما يشاء وما يريد من أعماله ثم يدعيان الحرية فهما حران ولا يكلفان البينة على دعواهما، لأن الأصل الحرية، والعبودية طارئة، وقد كفانا الله شرها في هذا الزمان، فهي تذكر فقها ولا توجد في الواقع، وكذلك الرجل يطلق المرأة طلاقاً يملك فيه الرجعة فيردها بعد شهر فأكثر فتدعي انقضاء العدة فإنها تبين منه ولا تكلف على ذلك البينة؛ لان القول قولها هنا
142 - وقد نظم قانون الإجراءات جميع ذلك في باب رفع الدعوى والإعلان.