أدب القضاء في الإسلام زهران بن ناصر بن سالم البراشدي

أدب القضاء في الإسلام

الجزء ١ · صفحة ١٢١

120

أدب القضاء في الإسلام

و قَضاءُ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مَحَلُّ خِلَافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ في المذاهب الأربعة: فَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرُ الأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِينَ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ عِلْمُهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا. وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ

وَالأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَذْهَبُ الْإِمَامَينِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ، سَوَاء فِي ذَلِكَ عِلْمُهُ قَبْلَ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ أَمْ بَعْدَهَا، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا - وُجُوبًا - ظَاهِرَ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ - نَدْبًا - وَاشْتَرَطُوا لِنَفَاذِ حُكْمِهِ أَنْ يُصَرِّحَ بِمُسْتَنَدِهِ، فَيَقُولُ: عَلِمْت أَنَّ لَهُ عَلَيْكَ مَا ادَّعَاهُ، وَقَضَيْتُ، أَوْ حَكَمْتُ عَلَيْكَ بِعِلْمِي. فَإِنْ تَرَكَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ، لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ. استدل القائلون بالمنع بِقَوْلِ النَّبِيِّ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَن بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ .. " فَدَكَ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي بِمَا يَسْمَعُ، لَا بِمَا يَعْلَمُ، وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَضِيَّةِ الْحَضْرَمِي وَالْكِنْدِي شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَاكَ 171

و أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا فَلَاجَهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ فَشَجَّهُ فَأَتَوْا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَرَضُوا فَقَالَ النَّبِيُّ إِنِّي خَاطِبٌ الْعَشِيَّةَ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِصَاكُمْ فَقَالُوا نَعَمْ فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم إِنَّ هَؤُلَاءِ اللَّيْلِيِّينَ أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا

157 - أخرجه أبو داود في سننه فيمن حلف يمينا ليقطع بها حقا، وأبو عوانة في مستخرجه في مبتدأ أبواب من الإيمان وفي الخبر الموجب بأصل الشيء، والبيهقي في معرفة السنن والآثار باب إذا تنازعا .. ، وأبو نعيم في معرفة الصحابة باب من اسمه ربيعة.