أدب القضاء في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ١٦أدب القضاء في الإسلام
حَلَالًا، لَا يَمْنَعُكَ قَصَاءُ قَضَيْتَهُ بِالْأَمْسِ رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ، أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ فِيهِ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وإنَّ الحقَّ لا يُبطله شيءٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ الْفَهْمَ فِيمَا يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِك، مِمَّا لَمْ يَبْلُغْكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ،
11
11 - هذا كُلُّه إذا كان الحكم باطلا لا وجه له من الحق في شيء؛ كما قال أمير المؤمنين عمر وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ" ويظهر ذلك فيما إذا خالف الحاكم نصا من الكتابِ أو السنة أو الإجماع؛ أما في الأمور الاجتهادية إذا حكم الحاكم فيها باجتهاده - وكان حكمه موافقا للحق - فليس له الرجوع عن حكمه الذي حكم به، ولو أدَّى به اجتهاده فيما بعد إلى أنَّ الأصوب خلافه، وإنما عليه في المستقبل من أمره أن يأخذ بما يراه أعدل وأصوب في نظره. وكذا الحال في المفتي، فليتنبه.
والدليل على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله عمل في قضية الأسرى يوم بدر مَا كَانَ لِنَبِيَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) " لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) الأنفال. فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم فيهم باجتهاده قبل نزول الوحي عليه، ونزلت الآيتان عتابا له صلى الله عليه وسلم، ولم يأمره الحق سبحانه وتعالى بالرجوع عن ذلك الحكم؛ بل أباح له الانتفاع بتلك الغنائم فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) الأنفال.
ولو كان الرجوع واجبا عليه لأمره به، ولنفّذه، ولما لم يأمره الحق سبحانه وتعالى بالرجوع عن ذلك الحكم لم يَرُدَّ صلى الله عليه وسلم، حكمه، فدل على عدم الرجوع عن ذلك الحكم والأمثلة على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله كثيرة جدا.
ولا ينافي ذلك على رأي من قال: إنه لم يدخل في الخطاب في الآية بإرادة عرض الدنيا ولا في غيبتها، فإنه وإن دخل في الخطاب فالمراد عتابه على موافقة أصحابه على قبول الفداء قبل الاثخان، وبيانُ أنَّ الراجح أن يختار القتل نفعا للإسلام. قال القطب في الهيميان؛ في تفسير قوله ل: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) الآية 4 من سورة النجم ..... والصحيح جواز اجتهاده ووقوعه