أدب القضاء في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ١٨أدب القضاء في الإسلام
17
ويُستثنى من ذلك ما إذا كانتِ الواقعةُ متعلقةً بالمجتهد نفسه، وكانت من الأمور المستدامة كما إذا رأى جواز تزويج الصبية أو جواز التزويج بغير وليّ ففعل، أو رأى أنَّ الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة، أو نحو ذلك، فعمل بما رأى، ثم رأى بعد ذلك أن ذلك العمل فعل حرام؛ لزمه أن يترك زوجته، وقيل يلزمه فيما ابتدأه فيما أقبل من أمره لا في استمراره على ما بناه قبل على رأي صحيح وعمل به. وهكذا في أمثالها، كما سيأتي عن النور السالمي
قال النور السالميه في الطلعة " .... حاصل المقام أنه لا يبطل حكم المجتهد إلا في حالتين: إحداهما: إذا خالف في حكمه اجتهادَه، والأخرى: إذا خالف حكم الله فيها، أما في غير ذلك فلا يصح نقض حكم حاكم كان قد حكم به عن اجتهاد ونظر؛ لأنَّ ذلك هو الواجب في حقه، ولأنه لو جوزنا نقض ذلك الحكم باجتهاد آخر؛ جاز نقض ذلك الاجتهاد المتأخر باجتهاد آخر، ثم كذلك في كل اجتهاد لا إلى غاية، فتفوت بذلك مصلحة نصب الحاكم.
أمَّا خلافُ الأصم في ذلك فإنه إنما كان بعد انعقاد الإجماع على أنه لا ينقض الحكم باجتهاد آخر، فلا يعتد بخلافه، والله أعلم، ثم قال: -
وإن رأى الجواز يوما ففعل ثم رأى الحرمة فالفعل انحظل
أي إذا اجتهد المجتهد في حادثة فرأى جوازها فعمل به، ثم تغير اجتهاده فرأى أنها حرام، فإنه يحجر عليه الإقامة على ذلك الفعل، مثال ذلك: إذا رأى جواز تزويج الصبية أو جواز التزويج بغير ولي ففعل، أو رأى أن الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة أو نحو ذلك، فعمل بما رأى، ثم رأى بعد ذلك أن ذلك العمل فعل حرام؛ لزمه أن يترك زوجته، وهذا مبني على القول بأن الاجتهاد ينقض الاجتهاد، وهو الصحيح؛ لأن الاجتهاد الأول لا يكون عندنا بمنزلة الحكم حتى لا يصح، وإنما هو حكم تعبّد به المجتهد في ذلك الحال، فإذا رأى أن الراجح غيره، فقد تعبّد بذلك
نقضه،
الغير، ولا مِريَةً في جواز انتقال التعبد بتغيّر الأحوال.
وقيل: إنَّ الاجتهاد الآخر لا ينقض به الاجتهاد الأول، وإنما يلزمه العمل به في مستقبل الأوقات فقط، أي فيما ابتدأه من بعد لا في استمراره، ومحل النزاع إنما هو في الأشياء المستدامة، كالاستمتاع بالزوجات، لا في الأعمال الماضية، فإنه من عمل باجتهاده في صحة الوضوء أو الصلاة