أدب القضاء في الإسلام زهران بن ناصر بن سالم البراشدي

أدب القضاء في الإسلام

الجزء ١ · صفحة ٤٤

أدب القضاء في الإسلام

43

المدنية؛ التي خص الله بها النوع الإنساني، إذ لو أعطيت المرأة أحكام الرجل في كل شيء لفاتت حكمة التنويع في الخلق، وكذلك لو أعطي الرجل أحكام المرأة.

ومن الجهل المركب والتعسف الظاهر ما ينادي به المفتونون بالنظريات المستوردة من المساواة بين الرجل والمرأة؛ لما في ذلك من التجاهل لخصائص الفطرة في كل منها، فالرجل خلق ليكون ذكرا وطبع بطابع الذكورة، والمرأة خلقت أنثى وطبعت بطابع الأنوثة، وهذا التنويع ليس محصورا في الجنس البشري ولكنه مشترك بين الإنسان والحيوان والجمادات والنباتات، بدليل قول الله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) الذاريات / 49) وقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّمَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) (يس / 36.

وفي طي هذا التنويع حكمة بالغة فإن كل واحد من النوعين يكمل النوع الآخر. والذين نظروا نظرة واقعية إلى طبيعة البشر أدركوا سر التفرقة بين الذكر والأنثى في التشريع الإسلامي؛ رغم نشأتهم في بيئة ترفض هذا المنطق، وقد نعى هؤلاء على قومہم جہلہم أو تجاهلهم لما تتميز به كل واحدة من طبيعة الذكورة أو الأنوثة في الرجل والمرأة، ومن هؤلاء الكاتب الفرنسي الأمريكي الدكتور ألكسيس كاريل؛ صاحب كتاب "الإنسان ذلك المجهول" الذي بين الفوارق التكوينية بين الرجل والمرأة وقال: إنَّ المرأة لا تختلف عن الرجل باختلاف الأعضاء التناسلية وبالولادة والرحم فحسب، بل الفارق بينهما جد عميق، فإن كل حجيرة في جسمها تحمل طابع جنسها، وأضاف إلى ذلك أن الرجل والمرأة يختلفان في العواطف والمشاعر والأفكار، كما أنه انتقد تسوية المرأة بالرجل في الثقافة، منها على وجوب مراعاة خصائص الأنثى في المناهج الدراسية لتعليم الفتيات، وقد ذكرت باحثة اجتماعية فرنسية أنَّ المرأة تتميز بقوة العاطفة فلذلك تستولي العاطفة على كلا جانبي دماغها، بخلاف الرجل فإنه وإن التهبت عاطفته لا تشغل إلا جانبا منه، والجانب الآخر يبقى فارغا للتفكير، وهنا يظهر سر التشريع الإلهي في شهادة النساء؛ إذ اعتبرت المرأتان عن رجل، وجاء تعليل ذلك في قوله تعالى (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) (

البقرة/ 282)

وقد أوضح علماء التشريح عمق الاختلاف بين المرأة والرجل في تكوين الجسم، ومما قالوه: إنَّ جسم كل منهما يشتمل على ستين مليون مليون خلية، وكل خلية من خلايا الرجل عليها طابع الذكورة، بخلاف خلايا المرأة فعلى كل خلية منها طابع الأنوثة، والاختلاف غير مقصور على الطبع؛ بل هو حتى في الشكل؛ كما شاهدناه في الصور المكبرة، ولا يقف الفرق بين الجنسين عند هذا