قراءة في ديوان مدوا الأيدي نتصالح للشاعر الأمين أحمد مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

قراءة في ديوان مدوا الأيدي نتصالح لمصطفى بن دريسو

الجزء ١ · صفحة ٣

كان الأمل معقوداً ببعض الساسة، لولا الغدر والخيانة، ولولا الانقسام والخصام، وقتل (بُوضْيَاف)، وهو ما بثه في قصيدة "ذَنْبُهُ أَنَّهُ يُحِبُّ الجَزَائِر". وعلى نفس الإيقاع اللفظي، سلك أحمد في رثاء آية الجزائر "مفدي"، ووظف كلمات جريئة، وتعابير قوية. ثم خفت حدة التعابير حينما رثى الشاعر صالح خرفي، أو حينما بكى شيخه صالح بزملال فانطلق لسانه بأخلص العبارات، وأبسط التراكيب.

ولقد بالغ الشاعر في تصوير حال المعلم، والإنذار بواقعه وآلامه، فكانت كلماته تنبض حرارة، وتلتهب حسرة، يدعو فيها المعلم إلى الدفاع عن حقه، واسترجاع كرامته، فقال في "إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مُعَلِّمًا"(1):

قُمْ وَانْتَزِعْ حَقَّ الْحَيَاةِ بِأَخْذَةٍ مُتَحَكِّمَهْ

وَانْصُرْ جِهَادَكَ كَيْ تَنَالَ بِهِ حُقُوقَكَ مُكْرَمَا

إِنْ لَمْ تَقُمْ دَاسَتْكَ أَقْدَامُ الْخُطُوبِ المُظْلِمَهْ

إِنْ لَمْ تَقُمْ سَتَمُوتُ هَوْنًا قَبْلَ مَوْتِكَ مُرْغَمَا ..

وتسهيلا لمهمة المعلم، فإنه دعا أولياء النشء إلى تحمل عبء الأمانة، والنصح لأولادهم، في قصيدة "إِلَى الآبَاءِ .. " وإشادة باصطفاء الله تعالى لمعلم البشرية، المرسل رحمة للعالمين، والملهم بالوحي، والمحفوف بالعصمة، فإنه نظم قصيدتين؛ الأولى منهما "الآيَةُ الكُبْرَى مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - "خصها لبشرى ميلاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومآثره الطيبة، وكريم خصاله، وحسن خلقه. أما الثانية "نصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - " فكانت دفاعا عن الحبيب المصطفى صلوات الله عليه، وتبيانا لواقع المسلمين، وهوانهم على الناس، حتى تجرأ الحاقدون، ونكل المفسدون، وأظهروا خبث باطنهم في حق المبعوث رحمة للعالمين.

وإلى جانب هذه المواضيع السابقة والتي تمثلت فيها معاني النبل والكرم، وتجسدت فيها الأفكار الحكيمة والعالية، فإنه لم ينس أن يتحفنا بمرآته الصافية، ويداعب العواطف العفيفة، بأسلوب مشوق وحساس، فقال وأجاد، وعبر وأطرب حينما استولى حب "زهرة" على قلبه، فقال عنها(2):

يَا زُهْرَتِي، يَا حُلْوَتِي … أَنْتِ الْمُنَى يَا زُهْرَتِي

أَنْتِ الْحَيَاةُ وَنُورُهَا … أَنْتِ الْحُبُورُ وَجَنَّتِي

كما أودع شعره فلسفته حول النظم الأصيل، ورأيه حول الشعر الحر (سماه بالشعر اللقيط)، وأبرز رسالة الشاعر في الحياة، بأن تكون مواضيعه نابعة من أعماق فؤاده، وتكون أوصافه إطارا لأحاسيسه،

(1) المصدر السابق: 176.

(2) المصدر السابق: 201.

٣ / ١٣