إضاءات حضارية من تراث الإباضية مهنا بن راشد بن حمد السعدي

إضاءات حضارية من تراث الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

إضاءات حضارية

127

وقد اشتهرت هذه الدولة بنظام الشورى المطبق فيها، وبعدالة أئمتها، وصلاحهم وتقواهم " وعلمهم، و بازدهارها، وقد كان يعيش تحت ظلها أتباع كل المذاهب الإسلامية، وكانوا يمارسون. عبادتهم بكل حرية وأمان، وكانت لهم مساجدهم وبيوتهم الخاصة التي يعيشون فيها مصاني الحقوق بعدل وإنصاف من غير تفريق بين مذهب ومذهب، قال ابن الصغير: * وانتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار … ليس أحد يول هم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتني بين أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وأمانه على نفسه وماله:، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان، وهذا مسجد القرويين ورحتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد

القروي

الكوفيين.

(1) -

وابن الصغير هذا نفسه كان شيعيا وقيل مالكيا، ومال د/ محمد صالح و د/ إبراهيم بجاز إلى أنه شيعي المذهب إلا أنهما لم يحسما في ذلك (3)، وذلك لتصريح ابن الصغير بميوله العلوية في عدة مواضع من كتابه من ذلك مثلا قوله: *. فنحن وإن ذكرنا سيرهم على ما اتصل بنا وعدلهم فيما ولوه فلسنا ممن تعجبه طلاوة، أفعالهم، ولا حسر تعلمه من براءقم (3) ممن والاه

(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 36. (1) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 13 - 14.

?

(1) إن تصميم الحكم على الإباضية بأنهم يبرأون من الإمام علي - كرم الله وجهه - بعد قراءة مجتزأة لتراث الإباضية. فهذا يمثل قولا واحدا من أقوالهم، فهناك أيضا من الإباضية من يرى توبة الإمام علي وندمه على قتله أهل النهروان. وقد أورد البرادي (حي: 810 هـ / 1407 م) في (الجواهر المنتقاة) وكذلك الشماخي (ت: 928 هـ / 1522 م) في سيره عدة نصوص يتضح فيها جليا ندم الإمام علي وحسرته لقتله أهل النهروان، من ذلك قول الإمام علي في أهل النهروان: " والله إن كنتم لأصحاب الدار يوم الدار وأصحاب الجمل يوم الجمل وام حاب صفين يوم صفين، وأصحاب القرآن إذا تلي القرآن "، وعن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس قال: " حدثي قنبر مولى علي قال: لما قتل على أهل النهر توحدت أنا وإياه إلى النهر ليغتسل، فقال: فبينما نحن هناك إذ كب على يبكي طويلا، فقلت: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ويحك يا قنبر تدري من صرعنا ها هنا؟ خيار هذه الأمة وقراءها، فقلت: يا أمير المؤمنين أي والله فابك، فقال: ويحك يا قنبر جذعت أنفي وشفيت غيظي، فانكب يبكي طويلا "، قال البرادي مطلقا على هذه الرواية: " وأظهر الندامة على قتله اياهم، وعرف ذلك من حاله "، وكان أصحاب علي يعاتبونه على قتله لأهل النهروان ويبدون ندمهم وأصفهم على ذلك فيقولون له: " قتلت قوما ثم صرت تعذرهم وتمدحهم وتزين أمرهم ". وعن عتاب بن المخالد عن الشعبي قال: فلما قدم على الكوفة بعد قتل أهل النهر قال له ابنه الحسن: يا أبت هل قتلت القوم؟ قال: نعم، قال: لا يرى قتلهم الجنة، قال: ليت اني ادخلها ولو حبوا (قال) أي الشعبي): فبينما علي بالكوفة إذ افتقد تلك الأصوات التي كان يسمعها بالليل كانها دوي النحل، قال: أين أسد النهار ورهبان الليل؟ قالوا: قتلناهم يوم النهر، قال: هم قراؤنا ومجتهدونا "، وكان الإمام علي يأتي القتلى ويستغفر لهم ويقول: " ما صنعنا قتلنا خيارنا وفقها منا "، ويذكر ابن أبي الحديد (ت: 656 هـ / 1258 م) نصا عن الإمام على ينهى فيه عن قتال الخوارج فيقول: لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطاء كمن طلب الباطل فأدركه "، ويقول الشيخ محمد بن =