إضاءات حضارية من تراث الإباضية مهنا بن راشد بن حمد السعدي

إضاءات حضارية من تراث الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٦١

إضاءات حضارية

161

فهذا ما لا تقبل به، ولا يقبل به كل باحث عن الحق متجرد عن الهوى؛ وبعد هذه المقدمة المقتضبة ندخل في صميم موضوعنا … إن مصطلح (الوَهْبِيَّة (ضارب بجرانه في عمق التاريخ الإباضي، وقد وقع الخلاف في نسبة هذا المصطلح، فقيل نسبة إلى الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت: 208 هـ / 823 م) الإمام الثاني للدولة الرستمية، وقيل نسبة إلى الصحابي الجليل الإمام عبد الله بن وهب الراسي، وعلى القول الثاني أغلب أئمة الإباضية وهو الصحيح كما سيأتي. والحقيقة أن هذا المصطلح لم يكن له استخدام عند الإباضية، بل كانوا يطلقون على أنفسهم

(1)

أهل الحق والاستقامة، وجماعة المسلمين، وأهل الدعوة، والإباضية؛ إلى أن انشقت فرقة من الإباضية بشمال إفريقيا تحت قيادة يزيد بن فندين في سنة 171 هـ / 787 م، بعد وفاة الإمام عبد الرحمن بن رستم، فأنكروا إمامة الإمام عبد الوهاب، ووقعت فتنة عظيمة، فأطلق الإباضية على أتباع ابن فندين لقب) النكار () (1)، وأطلقوا على أنفسهم لقب (الوهبية)، ليس نسبة إلى

ا كان الإباضية يطلقون على أنفسهم قبل أن يشتهروا بالإباضية عدة تسميات منها: (المسلمون) و (أمة المسلمين) و (جماعة المسلمين) و (أهل الدعوة) و (أهل الاستقامة) و (الشراة) (وليس معنى ذلك أنهم ينفون الإسلام عن مخالفيهم، ولكن عندما رأى أئمة الإباضية الأوائل كالإمام جابر وأبي عبيدة تحزب المسلمين إلى فرق وطوائف واتخاذهم لأسماء جعلوها حكرا عليهم كأهل السنة وغيرها، اتخذ الإباضية لهم أسماء تعكس ما يحملونه من عقيدة وفكر ناصحين فأطلقوا على أنفسهم (جماعة المسلمين) لمحافظتهم على الإسلام نقيا طاهرا من الدخن كما جاء به النبي، ولاستقامتهم على دين الله تعالى، وأما سبب شهرتهم بالإباضية فهو يعود إلى عبد الله بن إباض المري التميمي (حي بعد: 67 هـ / 686 م)، وقد سماهم بذلك بنو أمية، وذلك بسبب بروز الإمام عبد الله بن إباض ومنافحته عن المذهب ضد الخوارج الغلاة الذين أطلقوا على اتباعه لقب القحدة، وضد بني أمية المعادين لهذا المذهب ولكل داع إلى الحق والقضاء على الظلم، وأما الإمام المؤسس للمذهب الإباضي فهو الإمام أبو الشطاء جابر بن زيد الأزدي (18 هـ / 639 م - 13 هـ / 711 م)، وقد استطاع الإباضية إقامة عدة دول إسلامية في اليمن، وعمان، وشمال إفريقيا، وشرق إفريقيا، ولا يزال لهم وجود في عمان وشمال إفريقيا وشرقها، وقد دأب كثير من الكتاب إلى نسبة الإباضية إلى الخوارج، وعدم التفريق بينهما، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك فهناك فرق كبير بين الإباضية والخوارج، بل إن الإباضية بيراون من الخوارج، وقد ناقشت ذلك باستفاضة عند تعرضي لمصطلح الخوارج في كتابي (الشيخ عمروس ومنهجه، ص 94. 95)، وانظر كذلك مقال (الخوارج وزيف التاريخ) المقال رقم (11) من هذا الكتاب (انظر: النامي، دراسات عن الإباضية، ص 13، 19، 3، 193، 179، 18 - 187، 187 - 192 - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 24 - 11، 96 115 - عرض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 7 - 102 - مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب، الدار المصرية اللبنانية، بيروت، لبنان، طا: 1407 هـ / 1987، ص 134 - 149 - صالح البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص 179 - مهنا بن راشد السعدي، الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقدي من خلال كتاب أصول الدينونة الصافية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1421 هـ / 2004 م، ص 44، 94 -

(10

(1) النكار أو النكات: هم جماعة خرجت على الإمام عبد الوهاب، وأنكروا إمامته ونكثوا اليمين التي قطعوها له، فلذلك سموا بالنكات وبالنكار، ويعرفون كذلك بالتجوية من كلمة نجوى أي الخديعة والسرية التي عرفت عنهم عند مناقشة مسألة إمامة الإمام عبد الوهاب التي أنكروها، وباليزيدية نسبة إلى فتيههم عبد الله بن يزيد الفزاري، أو نسبة =