إضاءات حضارية من تراث الإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٧٢إضاءات حضارية:
172
دينية وحربية وعلمية، واتبعوا استراتيجية واحدة، فولوا المغرب بمفردهم واستطاعوا أن يجمعوا الأنصار حولهم فيؤسسوا دولا مشرقية الرأس مغربية الجسم. (1)، ولكن نجد أن الإباضية لم ينسبوا أنفسهم إلى الإمام عبد الرحمن؟! والواقع يقتضي أن ينتسب أتباع حركة معينة أو فكر معين إلى مؤسس ومنظر تلك الحركة، أو على أقل تقدير من له بروز متميز فيها وإن لم يكن له ذلك التنظير للحركة التي أوجدها، ولكن يظل الرمز الأول لأتباعه، فنجد مثلا أن الإباضية ينتسبون إلى الإمام جابر بن زيد كونه المؤسس والمنظر للمذهب الإباضي، وهكذا بقية المذاهب الإسلامية ينتسبون إلى من يعدونه الإمام المنظر الله لتوجههم، وكذا أصحاب كل توجه بغض النظر عن ماهيته؛ وبما أن الإمام عبد الراسي كان من أوائل المنكرين للتحكيم، واختاره من أنكر التحكيم إماما لهم؛ وبعد المحكمة أو أهل النهروان هم النواة الأولى للإباضية (3)، فمن البديهي أن ينتسب الإباضية إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسبي، فيطلقون على أنفسهم (الوهبية)، وهذا أقرب للمنطق والواقع، فمن الغرابة بمكان أن ينتسب الإباضية إلى الإمام عبد الوهاب الذي عاش في القرن الثاني الهجري، ويتركون الإمام عبد الله بن وهب وهو من الصحابة الأجلاء، ويتركون الإمام جابر وهو من كبار التابعين ومن خاصة طلاب ابن عباس؟!
بن وهب
وأما ما ذكره الإمام الربيع حول كون الإمام عبد الوهاب " إمامنا وتقينا وإمام المسلمين "، فكذلك بقية أئمة الإباضية ينسحب عليهم هذا الوصف، فلماذا يتفرد به الإمام عبد الوهاب فقط دون غيره؟!؛ والذي يظهر أن ما دفع الإمام الربيع إلى وصف الإمام عبد الوهاب هذا الوصف هو تلكم الفتنة التي اجتاحت صفوف الإباضية بالمغرب من قبل ابن فندين وأتباعه المنكرين لإمامة عبد الوهاب، والتي وصل شررها إلى البصرة، فأراد الإمام الربيع - وهو مرجع الإباضية في ذلك الوقت - القضاء على هذه الفتنة واجتائها من جذورها قبل أن تستفحل، وقبل أن يتأثر عوام الإباضية بابن فندين ومن معه، فوصف الإمام عبد الوهاب بذلك - وهو حري بذلك الوصف - في مجالسه وأمام مشائخ وعوام الإباضية لتوحيد الصف ورتق الفتق، وكان يصرح بالبراءة من ابن
(1)
جودت عبد الكريم يوسف، العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، المؤسسة الوطنية للكتاب، شارع زيروت يوسف، الجزائر، 1984 م، ص 63. (1) السابعي، الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 17 71 79 80، 185.