إضاءات حضارية من تراث الإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٨إضاءات الحضارية
18
وطول العهد وعدم الاطلاع على مؤلفات هذا المذهب ومصنفات علمائه، فإن العذر يتضاءل في هذا الوقت الراهن الذي تعلو فيه شعارات الوحدة والموضوعية والمنهجية، والتي ما إن تعرض على المحك حتى يتهاوى عدد منها على تراب الأرض. (1) وإن أصدق وصف يمكن أن نصف به هؤلاء الكتاب هي تلكم العبارات الذهبية التي سطرتها أنامل الشيخ علي يحيى معمر واصفا هؤلاء الكتاب الدخيلين المتطفلين على العلم وأهله فيقول
واصفا تعاملهم مع المذهب الإباضي: " فهم يضعون هذا المذهب وأتباعه في قفص الاتهام أولا ويحكمون عليهم بأنهم مخطئون لأنهم خوارج، وبعد ذلك قد يبحثون عن الأدلة، ولكن لإثبات هذه التهمة لا لمعرفة الحقيقة. وعندما يتقدم الإباضية بعرض عقائدهم وآرائهم والأدلة الشرعية التي استندوا إليها، ويبينون سيرقم وسلوكهم، يعتبر كل ذلك منهم كلاما في موقف الدفاع، لا يجوز على القاضي الذكي، فهو لا يسمعه، ولا ينظر فيه، وإذا استمع إليه فلكي يلتقط منه جملا تعزز التهمة، وقد يحرفها قليلا حتى تكون صالحة كدليل للإثبات. وقد يعرض الإباضية عقيدة أو رأيا لهم بأدلته وبراهينه وهو في نفس الأمر يوافق عقيدة القاضي، ولكن القاضي يصر مع ذلك أن القوم مخطئون وأن ما يقولونه إنما هو كلام للدفاع؛ ثم يحكم برفض الدفاع، وإثبات الدعوى، لا لشيء إلا لأنهم حسبما بلغ إلى علمه (خوارج)، وحتى عندما يقول الإباضية عن عقيدة أو رأي أنه عندهم كفر وخروج من الملة، فإن هذا القول لا يقبل منهم، ويستمر إلباته لهم ومحاسبتهم عليه؛ وقد يبرأون من رجل ومن أعماله وأقواله ممن لا ينتمي إليهم، ولكن يقال لهم أيضا: بل هذا الرجل من أئمتكم، ولو أنكرتم ذلك. وأنا لست هنا في صدد مناقشة ما سطره أولئك الكتاب في كتبهم من افتراءات والتهامات تجاه الإباضية، إذ إن ذلك يحتاج إلى بحوث مستقلة، وقد كفاني مؤونة ذلك عدد من أهل العلم والفضل جزاهم الله عن جهدهم خير الجزاء (3).
(T) -
(1) الحجري، الإباضية ومنهجية البحث، ص 16. (1) علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط 3: 1421 هـ / 2000 م، ص 14 - 15
نذكر على سبيل المثال لا الحصر: كتاب (الرد على العقبي) لقطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش (ت: 1332 هـ / 1914 م)، وكتاب (المسلك المحمود في معرفة للردود) للشيخ سعيد بن علي الجربي التعاريتي الثالث (ت: 1355 هـ / 1936 م)، وكتاب (الفرق بين الإباضية والخوارج (للشيخ إبراهيم اطفيش
=