إضاءات حضارية من تراث الإباضية مهنا بن راشد بن حمد السعدي

إضاءات حضارية من تراث الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٩٦

إضاءات حضارية:

196

الجواب: لا أبدا، لم يخالف الإباضية عمليا في عصر من العصور ما سطروه في كتبهم من أقوال وأحكام؛ وسأنقل بعض النماذج للتمثيل وليس الحصر؛ يقول المقدسي - وهو غير إباضي - في وصف تيهرت عاصمة الدولة الرستمية:. … هي بلخ المغرب، قد أحدقت بها الأنهار، والتفت بها الأشجار، وغابت في البساتين، ونبعت حولها العين، وجل بها الإقليم، وانتعش فيه الغريب، واستطابها اللبيب، يفضلونها على دمشق وأخطأوا، وعلى قرطبة وما

(3) ?

أظنهم أصابوا، هو بلد كبير، كثير الخير رحب، رقيق طيب، رشيق الأسواق، غزير الماء، جيد الأهل، قديم الوضع، محكم الرصف، عجيب الوصف. ويقول ابن الصغير - ذكرتُ أنه شيعي وقيل مالكي - مؤرخ الدولة الرستمية وعاش في عاصمتها تيهرت:. … ليس أحد يول هم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتني بين أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وأمانه على نفسه وماله، حتى لا ترى دارا إلا قبل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين، ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين وكانت تحدث مناظرات بين أتباع مختلف المذاهب بكل حرية يقول ابن الصغير عن ذلك: " من أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم، قربوه وناظروه ألطف مناظرة، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك. (3).

هذا بالنسبة لإباضية المغرب، فماذا عن إباضية المشرق؟

(T) -

لو أردت ضرب الأمثلة لطال بنا المقام، ولكن سأكتفي بنموذجين وعليهما فقس؛ ما قام به الإمام عبد الله بن يحيى الكندي طالب الحق) ت: 130 هـ 747 م) عندما دخل صنعاء وحررها من جور بني أمية فأعاد الأموال المكدسة في خزائن ولاة بني أمية إلى فقراء صنعاء ولم يأخذ منها درهما واحدا بالرغم من حاجته هو وأصحابه إلى المال ليتقووا به (4)

(1) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1408 هـ / 1987 م، ص 228. (2) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 36. ابن الصغير، مصدر سابق، ص 117، 118.

(1) الشماخي، السير، 91/ 1 - 92 مهدي هاشم، الحركة الأباضية، ص 116 - عوض خليفات، نشأة الحركة

الإباضية، ص 121.