إضاءات حضارية من تراث الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢١إضاءات حضارية
21
وقد احترت كثيرا في العنوان المناسب لهذه البحوث والمقالات، إلى أن أرسل إلي أخ عزيز رسالة عبر الهاتف بلا تنسيق سابق تضمنت عبارة) إضاءات حضارية من تراث الإباضية)، فقدح في ذهني أن هذه العبارة هي مبتغاي وهي ما كنت أبحث عنه؛ وذلك أن التراث الذي خلفه الإباضية تراث ضخم، سواء من ناحية مؤلفاتهم العلمية أو تطبيقاتهم العملية، أو تاريخهم ودولهم التي قامت، أو سيرهم وفعالهم، والتي جسدوا من خلالها عهد الراشدين الزاهر، جاعلين من الشورى أساسهم الذي بنو عليه دولهم، ولعمري ما أحوجنا اليوم في حاضرنا إلى العودة إلى التراث الإباضي المضيء واستقرائه من جديد، وإبرازه إلى النور، وتعريف العالم به، وتطبيقه في واقع حياتنا اليومية.
وإني أعترف اني لم ولن أو في التراث والتاريخ الإباضيين حقهما من خلال هذا الكتاب أو كتب مثله، ولكن هي إضاءات عسى أن أوفق من خلالها إلى تعريف القارئ الكريم على بعض جوانب تراث الإباضية وتاريخها المغيبين تحت ركام الزمن وتناسي الأيام.
وستلاحظ أخي القارئ الكريم أن أغلب محتويات هذا الجزء الأول تناولت الحديث فيه عن تاريخ وأعلام الإباضية بشمال إفريقيا، باستثناء ثلاث مقالات، الأولى عن (حركة التأليف عند العمانيين في القرون الهجرية الثلاثة الأولى)، والثانية تناولت فيها بالدراسة الفرق بين الوهبية والوهابية، تحت عنوان (الوَهْبِيَّة والوَهّابية: النشأة والنسبة)، والثالثة تحت عنوان (الخوارج وزيف التاريخ)؛ والحقيقة أن السبب في كون أغلب محتويات هذا الكتاب عُنيت بالحديث عن تاريخ وسيرة بعض أئمة الإباضية وعلمائها بشمال إفريقيا، كوني بدأت الكتابة أول ما بدأت عن إباضية شمال إفريقيا، وذلك لتوفر المعلومات الجيدة لدي حول التاريخ الإباضي في تلك المناطق نتيجة كتابي الأول كما ذكرت سلفا.
وبعون الله وتوفيقه سأخصص الأجزاء القادمة من هذا الكتاب للحديث عن تاريخ الإباضية وتراثها بالمشرق والترجمة لأبرز أعلام إباضية المشرق؛ وقد بدأت في ذلك بالفعل، إذ إني في هذه الفترة عاكف على كتابة بحث عن الوجود الإباضي باليمن، وقد قطعت فيه شوطا لا بأس به، وكذلك فإنني أقوم بالترجمة لبعض أعلام الإباضية بالمشرق …