إضاءات حضارية من تراث الإباضية مهنا بن راشد بن حمد السعدي

إضاءات حضارية من تراث الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٥٠

إضاءات حضارية

يؤسف له أن كتب التراث الإسلامي تزخر بالكثير من أمثال هذه القصص، فحري بنا ألا نلتفت إليها ونضيع الجهد العلمي والعقلي والمادي عليها، وإن ذكرناها فمن باب نقدها وتحرير العقل المسلم من سيطرة هذه الخرافات ليكون عقلا منتجا واقعيا آخذا بالأسباب، لا يعيش في الوهم والجري وراء القدرات الخارقة الخارجة عن الطبيعة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (1). والملاحظ أن أغلب المدارس الإسلامية يحلو لها أن تحيط أئمتها وأعلامها بصفات تضفي عليهم نوعا من الخصوصية والتميز، وربما للعوام والبسطاء دور - بحسن نية ومحبة لأئمتهم وعلمائهم - في نسج أمثال هذه القصص التي تخرج عن نطاق العقل والواقع إلى الأساطير والخرافات، ثم يقيدها المؤرخون في مصنفاتهم من باب التقييد للتاريخ والحوادث بغض النظر عن صحتها من عدمه، يقول لميس العدوي: عندما نأتي إلى خبر معين، فنجده غير صحيح أو الواقع والعقل لا يقبلاته، ليس معناه الطعن في المؤرخ الذي ينقله .. قطعا؛ لا. لا يحاسب المؤرخ على الرواية والروايتين، وإنما هو ينقل تاريخا عريضا فيه الصحيح والسقيم، فعدم صحة الخبر لا يطعن في المؤرخ، وقد ينقل المؤرخ الأخبار بغض النظر عن صحتها وبطلانها … فالمؤرخ قد يجمع. التاريخية عن حقبة زمنية معينة بدون أن يبدي رأيه فيها بالتحليل أو المقارنة، ولكن أن يكون هدفه جمع المادة فقط وحفظها وليس إلزام تلك الحقبة بها، فافهم ذلك فإنه دقيق يخفى على

(T).

المادة

الكثيرين. ومن ضمن القصص حول الإمام أبي حاتم ومن معه من الشهداء ما يذكره الشماخي فيقول: " وبتلك الجهة مقبرة يقال إنها للذين ماتوا عنده يوجد بأطرافها تراب أحمر يقال إنه دمهم لم يغيره الزمان يتبرك الناس به ويحملونه للمرضى وهذا في مثلهم ليس بغريب، وقد شاهدت بنفوسة دماء رجال ثلاثة صفحت على صفا مسيل ماء المطر مضى عليها منون من الأعوام وهي

(1) سورة الروم، أية: 30.

(1) الحدوي، رؤية تاريخية، ص 37 - 38.