إضاءات حضارية من تراث الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٥١إضاءات حضارية
51
باقية وكل ما وقع مطر جرى عليه ومسحته بثوبي مبلولا بالريق فأثر فيه وشممته فإذا هو رائحة
(1)
الدم … " وأشار إلى كونهم صالحين أي الرجال الثلاثة) ولو تأملنا ما ذكره أبو زكرياء والشماخي نلاحظ أنهما ينقلان عن غيرهما ولم يقفا على الأنوار بنفسيهما، وإنما سمعا من بعض الأشخاص، والظاهر أن من يروي لهما هذه الروايات والقصص من عوام الناس وليس من العلماء الثقات، وحق إن كان من العلماء فلعله متأثر في اللاوعي بما راج في تلك العصور المتقدمة من أمثال هذه القصص في التراث الشعبي. وأما القصة الثانية التي أوردها الشماخي، فمن المعلوم أن الدم لا تتشربه الأرض كما تتشرب الماء، حيث إن كثافة الدم أكبر من كثافة الماء (2)، فيظل على سطحها ولو إلى مئات السنين، فلعل دم الشهداء من أصحاب أبي حاتم ظل على سطح الأرض واختلط مع التراب، وكذلك بالنسبة لدم الرجال الثلاثة، فهو أمر غير مستغرب، وأما قضية الاستشفاء بالتراب الممتزج بدمهم
فربما الجانب النفسي له دور في إحساس المرضى بالصحة والله أعلم (3).
(1) الشماخي، السير، 124/ 1 (1) كثافة الدم 1060 كجم / م 3 عند 37 م ا وكثافة الماء 1000 كجم / م عند 4 م ا انظر: خواص السوائل الساكنة، موقع سوزان مبارك الاستكشافي للعلوم، على هذا الرابط:
http://www.smsec.com/encyc/phys/.htm
4
) إن مما يؤسف له انتشار أمثال هذه الخرافات والأساطير في أوساط المسلمين، وامتلاء كتب السير بها، وعدها من التراث الإسلامي، وعدها من الكرامات التي يهبها الله لمن لصطفى من عباده، ولا زالت هذه الخرافات منتشرة في لوساط المسلمين إلى عصرنا هذا عصر التكنولوجيا والذرة واختراق الفضاء، وصل الغرب إلى ما وصلوا إليه لأنهم اكتشفوا سر القوة والتقدم وهو (الأخذ بالأسباب)، ونحن الأمة التي خاطبها الله تعالى وأمرها باتخاذ الأسباب واعِدُوا لَهُمْ ما استطعم من قوَّةٍ وَمِن رباط الخَيْل تُرْهِبُونَ بهِ عدو الله وعَدُوَّكُمْ وَآخَرينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَطْمُونَهُمُ الله يَطْمُهُمْ) (لأنفال: من الآية 60)، وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرض يتقون من فضل الله) (المزمل: من الآية 20)، لا زلنا نعيش في عالم الأساطير والخرافات، بسبب ضعفنا وخورنا وهزيمتنا الميدانية أمام أعدائنا، مما ولد هزيمة نفسية كبيرة، نجم عنها ما نشاهده من اللجوء إلى تصديق هذه الخرافات والعيش في عالم الأوهام وعدم الرغبة في الخروج منه حتى لا نصدم بواقعنا الإسلامي المرير، وهؤلاء الذين وهبهم الله أمثال هذه الخوارق - كما يزعمون - لماذا لا يسخرونها في تحرير فلسطين وبقية بلدان الإسلام من نير الاحتلال؟! لماذا الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعد الجيوش الجرارة ويضع الخطط لخوض المعارك؟ لماذا الصحابة الكرام قادوا الجيوش الجرارة لفتح فارس والروم، ولم يجلسوا في بيوتهم على الفراش الوثير يحركون الأنهار والصخور والجبال لتقوم بمهمة الفتح بدلا عنهم؟! بل انطلق الواحد منهم ممتطيا فرسه متشحا صلاحه حاملا روحه على كفه تواقة نفسه للفوز بالشهادة، فهل هؤلاء الذين يزعمون هذه القدرات أكثر صلاحا وإيمان من أبي بكر وعمر وحمزة عم رسول الله؟!
ثم إن هذه القصص تتعارض مع العقل والواقع والسنن الكونية، فضلا عن تعارضها مع القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فالله تعالى في كتابه الكريم أخبرنا أن للكون مننا ثابتة دائمة لا تتغير أو تتبدل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإلا أدى ذلك إلى اختلال موازين الكون قال تعالى: منة الله في الذين خلوا من قبل وكن سيد امئةِ الله تبديلا) (الأحزاب: 62)، وقوله تعالى: منة الله التي قد خلت من قبل ولن شوذ اسئلة الله تبديلا) (الفتح: 23).