إضاءات حضارية من تراث الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٥٢إضاءات حضارية
52
ويقول تعالى: (لا الثننن ينبغي لها أن تترك القمر ولا الليل منابق النهار وكلُّ في ذلك يمتبَحُونَ) (يس: 40). وقال تعالى: (ألم تر أن الله يُولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وسكر التنس والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجل منتى وأن الله بمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (لقمان: (29)، والرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن هذه الأجرام السماوية لا تخسف لموت أو مولد أحد، فعندما مات ولده إبراهيم وخسفت الشمس ظن الصحابة أنها خسفت بسبب موت إبراهيم، فأعادهم الرسول إلى جادة الصواب فقال: " إن الشمس والقمر ايتان من آيات الله لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروه وتضرعوا وتصدقوا " رواه الإمام الربيع حديث رقم (194) ورقم (195)، والبخاري حديث رقم (1043)، ومسلم حديث رقم (10). ولسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله - محاضرة قيمة تحت عنوان (الأخذ بالأسباب ودوره في نهضة الأمة (القاها بجامعة السلطان قابوس ضمن سلسلة الدروس الفكرية التي يلقيها بالجامعة، فيقول متحدثا عن الصحوة الإسلامية وما أصيبت به من التأثر والانجراف وراء أمثال هذه الخرافات والأوهام التي تتعارض مع منن الله في الكون: " … ولكن مما يؤسف له أن هذه الصحوة أصيبت بشيء من غبش التصور في بعض الأمور، وذلك مما جعل أبناءها يعيشون في عالم الأوهام، أسارى للخيالات المختلفة، وقد دفعهم ذلك إلى تجاهل سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه، مع أن الله سبحانه خلق الخلق، وجعل لخلقه سننا لا تتبدل حتى يرث الله الأرض وما عليها، وما يقع من الخوارق التي قد تكون رأي العين خارجة عن هذه السنن؛ فإنما ذلك يرجع إلى أمر الله سبحانه عندما يريد أن يتعطل شيء من المدن في قضية معينة، مع أن هذه الحالة لا يمكن أن يقاس عليها، وهي حالات في عهد النبوات لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى: لأن السنن تسير حسب ما شاء الله سبحانه وتعالى مما رسمه لهذا الكون من نواميس معينة لا تتبدل ولا تتغير حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولكن غبش التصور هو الذي يحول بين البصائر والرؤية الصحيحة لحقائق الأشياء، وذلك مما يجعل هذه النفوس أسيرة الأوهام فتبتعد كل البعد عن هذه الحقائق ". تلاحظ هنا أن سماحته وضح أن الأمور الخارقة للعادة التي خص الله تعالى بها أنبيائه من معجزات، وكذلك ما ذكر في القرآن من بعض القصص كقصة أصحاب الكهف والرجل الذي أماته الله مائة عام، فإن تلك حالات حدثت في عهد النبوات لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى بعد انقطاع الوحي واكتمال الدين، فضلا عن ورودها بنصوص قطعية، أي
الكتاب الكريم.
ووجه إلى مساحته سؤال حول بعض الكرامات التي تنسب إلى بعض الأئمة والعلماء وتتعارض مع السنن الكونية. ونص السؤال: هناك الكثير من القصص التي تنسب إلى الأئمة والعلماء - رضي الله تعالى عنهم - مخالفة لأرسخ السنن الكونية، ويدعي الكثيرون أنها من الكرامات التي يؤيدون بها، ما رأيكم في ذلك؟، ومن ذلك مثلا ما يروى عن الشيخ محمد بن علي بن عبد الباقي - رحمه الله - أنه أخذ فلج الغنتق في نزوى وأجراء في مكة، وما يروى عن الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي - رحمه الله - كان يفهم منطق الطير؟!
وهذا نص جواب سماحة الشيخ حفظه الله تعالى: هذه القصص راجت في وقت من الأوقات كثيرا، وكل أمر لا يقبله العقل لا يمكن أن يسلم له، وأبعد من ذلك ما ذكر أخيرا ولم يذكر أولا من أن أبا عبيدة - رضي الله تعالى عنه - دعا الله، فانفرجت السماء الأولى ثم الثانية ثم الثالثة وأبصر العرش، فهذا الكلام لا يصح ولا يقبل لأنه مخالف للسنن الكونية. انظر: الإمام الربيع بن حبيب الأزدي، الجامع الصحيح، مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، طا: 1415 هـ / 1994 م، كتاب الصلاة ووجوبها، باب (31)، حديث رقم (194) ورقم (195)، ص 52 53 - احمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3: 1421 هـ / 2000 م، 666/ 3، كتاب الكسوف (16)، باب (1)، حديث رقم (1043) - يحيى بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 0 2: 1424 هـ / 2003 م، 184/ 6 - 18، كتاب الكسوف (10)، باب (3)، حديث رقم (10) - أحمد بن حمد الخليلي، محاربة الخرافة والأخذ بالأسباب، محاضرة ضمن سلسلة الدروس الفكرية التي يلقيها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي بجامعة السلطان قابوس، القيت في يوم الإثنين 23 من رجب 1423 هـ / 20 من سبتمبر 2002 م، والمحاضرة منشورة ضمن كتاب (إعادة صياغة الأمة) لسماحة الشيخ الخليلي، الحلقة الأولى، طا، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، مسلطنة عمان،
ص 14 - 15، ص 132 - 133 - ومنشورة كذلك بموقع الأمل المشرق (www.alami.net) .