إضاءات حضارية من تراث الإباضية مهنا بن راشد بن حمد السعدي

إضاءات حضارية من تراث الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٧١

إضاءات حضارية

71

وهنا نلاحظ أن الإمام أفلح نبههم إلى جوانب في شخصية الشيخ محكم قد يكونون غفلوا عنها، وهي كونه بالرغم من علمه وفضله وصلاحه إلا أنه رجل نشأ في بادية فتعود على حياة الجفاف ولم يتعود على حياة المدينة والحضارة، والتي تحتاج إلى أساليب خاصة في التعامل مختلفة عن البادية، ولا يُفهم من كلام الإمام أنه يرمز إليهم ليختاروا رجلا متهاونا يداهنهم، حيث نجده يقول كما جاء في النص أعلاه: " … وإن كان ليس أحد منكم يحب أن يظلم ولا يُظْلَم … . . أي انكم من الورع والصلاح بحيث تقبلون بالحق وتسعون إليه، * ولكن تحبون أن يُجري فيكم الحقوق على وجهها بلا نقص لأغراضكم ولا امتهان لأنفسكم "، أي لا يتعامل معكم بشدة وغلظة كما يتعامل مع أهل البادية؛ يقول الشيخ علي معمر: " حين اختار الناس مُحكما لمنصب القضاء ورفعوا رأيهم هذا إلى الإمام ناقشهم الإمام في اختيارهم هذا وأخبرهم أن في الدولة كثيرا من الرجال لا يقلون علما ودينا وذكاء وتحريا عن مُحكم، وهم يعيشون في وسط الدولة، ويعرفون كيف يتصرفون مع الناس في لطف ولباقة، وأن مُحكما في طبعه الصريح الجاف، ومواقفه الصامدة، وقوته في الحق، ومعيشته في حياة البادية قد لا يلائم طبائعهم المتحضرة، وأذواقهم المرهفة الحساسة، وسلوكهم الذي تقيده آداب المدينة وأعرافها .. بعد أن أصروا على مُحَكّم ولم يأخذوا بنصيحة الإمام أفلح، أقرهم الإمام أفلح على اختيارهم، فأرسلوا رسالتين إليه، الأولى من الإمام والثانية من العلماء، جاء فيهما: " أما بعد فقد نزل بالمسلمين أمر لا غنى بهم عن حضورك وهم منتظرون لقدومك ولا يسعك التخلف فيما الله وبين عن اللحوق لهم والاجتماع معهم ليجتمع رأيك ورأيهم على ما فيه صلاح

بينك

المسلمين

(1).

(1).

ونلاحظ في مضمون الرسالة أنهم لم يذكروا له السبب في دعوته، وذلك أنهم يعلمون إن أخبروه يازماعهم توليته منصب القضاء لتخلف ولما استجاب لورعه وزهده في هذا المنصب (3). فلما وصل رسل تَنْهَرْت إلى الشيخ مُحَكّم وقرا مضمون ما يحملون من رسائل، ابتدر إلى دابة له وركبها وأخذ كساه وعصاه ميمما شطر تيهرت، فلما وصلها قصد المسجد الجامع ونزل به،

(1) معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 3، ج 1، ص 139.

(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 58 - الشماخي، السير، 167/ 1 - 168.

() معمر، مصدر سابق، ج 3، ج 4، ص 139.