إضاءات حضارية من تراث الإباضية مهنا بن راشد بن حمد السعدي

إضاءات حضارية من تراث الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٧٢

إضاءات حضارية

72

فأحاط به علماء تبهرت، وقالوا له: " إن فلان ابن فلان القاضي توفي وقد أجمع رأي المسلمين ورأي الإمام عليك، واعلم أنك مهما تخلفت عمّا دعوناك إليه كنت المسؤول عن كل دم يراق بغير حله، وكل فرج يوطا بغير وجهه، فاتق الله ولا تخالف الإمام والمسلمين عما دعوك إليه، فإنك إن خالفتنا أجبرناك وإن أطعتنا شكرناك. (1). تلاحظ هنا أن علماء تيهرت حاولوا إلزام الشيخ مُحَكّم بعدة إلزامات حتى لا يجد له مخرجا من قبول تولي القضاء، فمن ذلك إجماع السلمين والإمام عليه، فإن رفض كان المسؤول عن الدماء التي ستسفك بالحرام وعن الفروج التي مستوطاً بالحرام، بمعنى أنه يتحمل مسؤولية الجرائم التي ستقع لأن مرتكبيها لم يجدوا القاضي العادل الذي يهابونه، ثم يخبرونه أنه إن رفض فإنهم سيجبرونه على ذلك شاء أم أبي، فماذا كان رد الشيخ محكم عليهم؟ قال لهم: " إن الحق مر، أمر من شرب الدواء ولا يُشرب الدواء إلا كرها، وأنتم مرفهون أبناء نعم، وغيري أحب إليكم مني وقد نصحتكم فاقبلوا نصيحتي "، فحدث بينهم نقاش طويل وأخذ ورد، ثم قال لهم: " فإذا أبيتم إلا هذا فارجعوا إلى إمامكم فاعلموه بما أعلمتم به وشاوروه في أموركم "، فقالوا: " قد فعلنا "، فقال: " على بركة الله. العمري ما أعظمه من ورع وخوف من الله تعالى، وما أعظمه من زهد في المناصب اتصف به الشيخ محكم رحمه الله 14، فإن بعض أصحاب النفوس المادية التواقة إلى تسنم أكبر المناصب والمراكز قد تطير فرحا إن عرض عليها منصب كمنصب القضاء، وأين؟ إنه في العاصمة، وبعض النفوس قد تسعى بكل قوة للحصول على بعض المناصب مضحية حتى بدينها وآخرتها إن كان في ذلك المنصب ما يضر آخرتها؛ ولكننا وجدنا الشيخ مُحَكّم ضرب بكل ذلك عرض الحائط، ورفض المنصب على الفور، وحاول أن يقدم ما يستطيع من الأعذار لكي لا يحصل على منصب القضاء، وعندما وافق، وافق مرغما مجبرا، حيث إنه ذكر بالآخرة، وبغضب الله عليه إن هو ترك منصب القضاء إذ إنه لا يوجد من العلماء من هو أجدر منه بذلك المنصب، وعلّق ذنب الجرائم التي سترتكب في تيهرت برقبته إن هو تخلى ورفض القضاء، فوافق ليس حبا في المنصب

(1)

ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 58. (1) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 59 - الشماخي، السير، 198/ 1.

(T) =