إضاءات حضارية من تراث الإباضية مهنا بن راشد بن حمد السعدي

إضاءات حضارية من تراث الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٧٣

إضاءات حضارية

73

بل خوفا من الله تعالى أن يؤاخذه إن هو ترك هذا المنصب لمن هو غير جدير به، وقد تضيع

الأحكام وحقوق الناس (1). بعد أن قبل منصب القضاء، أنزلوه في دار القضاء واشتروا له خادما وأجروا عليه من بيت

المال قوته، فسار فيهم السيرة التي أملوها منه ورجوها عنده (2). ونذكر هنا حادثة تدل على عدله وعلى شدته في الحق، وكذلك على تحقق توقعات الإمام أفلح من أن أهل تيهرت لن يتحملوا منهجه الشديد في تطبيق الحق مع أنهم لا يرغبون في الظلم لا محالة، فيذكر ابن الصغير أن أبا العباس أخا الإمام أفلح تنازع في أرض مع صهر الإمام أفلح،

فرقعا أمرهما إلى الإمام أفلح، فقال لهما الإمام: " كلاكما يعز علي ولكن ارتفعا إلى مُحَكم "، فاغتنم أبو العباس كلام أفلح وبادر إلى الشيخ مُحَكّم بدار القضاء فسبق خصمه، فلم يجد معه أحدا فاجلسه مُحَكّم بجنبه وأقبل عليه يحدثه، وفي تلك الأثناء أقبل خصمه فجلس بباب الدار، ولم ينتبه إليه الشيخ محكّم، فلما رأى أبو العباس خصمه بباب الدار نادى على جارية الشيخ محكم يستسقيها الماء ليرى خصمه دلالته على القاضي، فقال الخصم في نفسه: " إلى من أحاكم؟ خصمي جالس إلى جنب القاضي ويستسقي الماء من داره، وأنا ملقى على باب الدار لا يلتفت إلي ولا ينظر نحوي "، فحانت من الشيخ مُحَكّم التفاتة فرأى الرجل جالسا بالباب، فقال: " ما بالك يا هذا وما قصدك؟ "، فقال: " جنت خصما لأبي العباس فوجدته جالسا إلى جنبك فجلست موضعي هذا "، فغضب الشيخ مُحَكّم على أبي العباس فقال: " يا أبا العباس تاتي مع خصمك فتجلس إلى جنبي دونه وتستسقي الماء من داري على يد جاريتي، يا غلام خذ بيد أبي العباس واقعده مقعد خصمه ولا يبرح، وخذ بيد خصمه واقعده الي، ومر الجارية فلتسقه ماء "، ففعل الغلام ما أمره به، فخرج أبو العباس مغضبا حتى دخل على أخيه أفلح فلما رآه، قال له: " مالك وما عراك؟ "، قال: " نزل بي من هذا الهوارِي الشرس الجالي ما لم يول بأحد "،

(1) إن هذه الصفات السامية التي اتصف بها الشيخ محكم ليست غريبة على الإباضية وما يتصفون به من خوف وورع وصلاح، من ذلك مثلا قصة أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني الذي عينه الإمام عبد الوهاب واليا على جبل نفوسة، فتردد في قبول المنصب وقال: " أنا ضعيف أنا ضعيف فلست أقدر على القيام بأمور المسلمين "، فاصر الإمام عليه، فاستشار عجوزا معروفة بالعلم والأدب … الخ القصة: وهناك نماذج أخرى كثيرة على تواضع وزهد علماء الإباضية (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 123 - 125 - الدرجيني، طبقات المشائخ، 70/ 1 - 71). (1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 59 - الشماخي، السير، 198/ 1.