المدخل إلى تاريخ الإسلام في إفريقية مع دراسة للدور العماني
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠وطوروا عملية استغلاله. ذلك أن المناطق التي امتد نفوذ الأباضية فيها كانت مجالاً للقبائل البربرية البترية وهم يعتمدون على التنقل والترحال للرعى وراء الماء والعشب والكلا. ولذلك فقد أصبحت تاهرت زمن الرستميون أهم مناطق تصدير الدواب والماشية والغنم والبغال والأصواف (1)، ويصدر منها تلك الأصناف إلى مناطق المغرب وبلاد الأندلس لرخصها وجودة لحومها ويبدو أن نمو قطاع الزراعة والرعى قد وفر أساساً اقتصادياً قوياً لزيادة سكان مدينة تاهرت ونموها المستمر في القرنين الثاني والثالث الهجريين، بحيث لم تعاني المدينة في نقص في المواد الغذائية بكافة أنواعها. كما أن رجال التجارة بها قد استثمروا جزء كبير أمن عوائد تجارتهم في قطاع الزراعة وتربية الماشية والرعى، يدل ذلك على حاجة السكان لأعداد كبيرة من العبيد في تلك المجالات.
وكانت تاهرت تشهد تجارة إقليمية بين قبائل البربر الرحل الذين يفدون إليها في أيام محددة لبيع ماشيتهم وشراء ما يحتاجونه من الحبوب والتمور وبضاعة الشرق والمنسوجات الصوفية التي تصنع بها. كما كانت تتحرك منها قوافل تجارية للوصول إلى موانى البحر المتوسط لتصدير سلعها إلى الأندلس التي ارتبطت بها بعلاقات حميدة، رغم الاختلاف. المذهبي بين الطرفين، وكان ميناء تنس هو المنفذ لذلك.
(4)
وقد أدى هذا الأمر إلى تغيرات حضارية وديموغرافية في المنطقة. فقد ظهرت أعداد كبيرة من العجم في المنطقة وأصبح لهم دوراً في مجريات الأحداث الأجتماعية والسياسية، بالاضافة أيضا إلى عنصر العرب. كما ظهرت عشرات الألوف من العديد الذين حملوا من جنوب الصحراء من بلاد السودان الغربي والأوسط للحاجة إليهم في الأعمال المنزلية والتجارية وقطاعات الزراعة والرعى والحراسة، وكان هذا عاملاً حاسماً لتحول أعداد كبيرة من السودان إلى الإسلام وإزدهار الواحات والقرى في المغرب.
(1)
كما غيرت القبائل البربرية من البتر أنماط حياتها لتتكيف مع الأوضاع الجديدة، فتحولت إلى حياة الإستقرار وبدأت ترتبط بالأرض وتمارس الزراعة مع تربية الماشية
(1) ابن حوقل صورة الأرض، ص 86.
(2) الطالبي، محمد، دكتور العلاقات بين إفريقية والأندلس في القرن الثالث الهجري، ص 18.
(3) الاصطخري، المصدر السابق، ص 83.
(4) طبقات الدرجيني، ج 1، ص 77.
11101