المدخل إلى تاريخ الإسلام في إفريقية مع دراسة للدور العماني محمد قرقش [دارس عن الإباضية]

المدخل إلى تاريخ الإسلام في إفريقية مع دراسة للدور العماني

الجزء ١ · صفحة ٢٢٤

الآخر. وقد حرصت كل دول الشمال الإفريقى على الارتباط بالموانئ الساحلية للبحر المتوسط (1) باعتباره أهم مراكز الحضارات والفعاليات السياسية.

وقد أكد الأئمة الرستميون على هذا الاعتبار في بناء عاصمتهم تاهرت، حيث حرصوا على أن تتصل عاصمتهم بجميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة والدروب وأن يتوافد إليها الناس من كل الأقطار (2) ولذلك فقد حرصوا على توفير كافة الضمانات الأمنية لمرور القوافل التجارية أو اقامة التجار. وكان هذا الاهتمام موجهاً من قبلهم صوب جهتين بصورة أساسية: أولاهما صوب موانئ البحر المتوسط شمالاً، والآخر صوب الصحراء في الجنوب. وهى طرق طويلة وشاقة، وعمل الأئمة الرستميون على توفير الراحة للقوافل بعاصمتهم حتى ظهر فيها باب يسمى باب المنازل.

وارتبطت تلك الشبكة الافريقية أيضا بموانئ الشام وحواضره ومدن العراق أيضا عبر الفسطاط ثم رفح والرملة وطبرية ودمشق وحلب. أو تتجه صوب الأنبار في العراق. وتقدر المسافة بين القيروان وبغداد بحوالي ثلاثة آلاف ميل، تقطع على مراحل.

ومن جهة ثانية ارتبطت المراكز الحضارية في الشمال الإفريقي بالأندلس، حيث كانت تلك الحواضر في صراع مستمر مع العباسيين باستثناء الأغالبة، فتلاقت أهدافهم السياسية مع أموي الأندلس، خاصة حكام تاهرت وسجلماسه. فاعتمد الأمويون على حواضر الشمال الافريقي في توفير سلع بلاد السودان لهم، وخاصة من الذهب، فيذكر لومبارد أن الأمويين في الأندلس ظلوا يضربون عملات فضية حتى ضمنوا بصورة مستمرة تدفق ذهب السودان إليهم، فتحولت عملاتهم إلى العملات الذهبية، التي رمزت إلى الخلافة وحملت لقب أمير المؤمنين (4) وبذلك وضع الأمويون في الأندلس أساساً قوياً لرصيد عملتهم من الذهب الإفريقي.

ولذلك حاول الأمويون الوصول إلى تجار تاهرت وسجلماسه لضمان تدفق سلع

(1) ابن خرداذبة، المصدر السابق، ص 084

(2) ابن الصغير المصدر السابق، ص 13. (3) ابن الصغير المصدر نفسه.

(4) لومبارد، الجغرافية التاريخية، ص 157.

- 219 -