المدخل إلى تاريخ الإسلام في إفريقية مع دراسة للدور العماني محمد قرقش [دارس عن الإباضية]

المدخل إلى تاريخ الإسلام في إفريقية مع دراسة للدور العماني

الجزء ١ · صفحة ٢٧٣

قامت الجماعات العربية والدول والإمارات والمشيخات الإسلامية بدور كبير في سبيل نشر الإسلام والثقافة العربية في بلاد السودان الشرقي وأرجائه، حيث بدأت منذ نهاية العصور الوسطى مرحلة جديدة من الإنصهار بين الجماعات العربية والبربرية وجماعات البرنو وغيرها من جماعات البجة والجماعات السودانية الأصلية. وبدأت الدماء العربية تذوب في تلك الدماء مشكلة دماء إسلامية جديدة) (1). فقد انصهر الكواهلة مع جماعات البجة في الشرق، واندمج الفور مع العرب في الغرب، كما انصهرت الجماعات الجديدة مع جماعات زنجية أخرى. وظهر جبل جديد من المولدين مرتبط بالدين الإسلامي، ومتحدثاً باللغة العربية، وظهرت لأول مرة بدايات الوحدة قومية لأقاليم السودان الشرقي تحت راية الإسلام وثقافته، بعد أن ظل لقرون طويلة ممزقاً بين الجماعات العرقية المتباينة والمتناحرة (2).

وبدأت على أرض السودان الشرقي تظهر علامات الحياة حضارية جديدة مستمرة من روح الإسلام، وذات صبغة مشتركة، بعيدة عن التنوع الجنسي والإقليمي وأقبل أبناء الجماعات السودانية على تحصيل الثقافة الإسلامية، فتأسست عندهم المساجد، التي أصبحت أول مراكز الإشعاع الحضارى الإسلامي، وظهرت الكتاتيب، والزوايا والربط والمدارس، واحتلت تلك المؤسسات الثقافية الإسلامية مكانة بارزة في نفوس أهل السودان. وبدأ أبناءهم يرتحلون لطلب العلم من مراكز إسلامية خارج أوطانهم، فتوجهت منهم أعداد إلى الأزهر، وأصبح لهم في الأزهر مكانة هامة وشهرة في علوم الفقه وغيره من العلوم الإسلامية (2).

وتشكلت قاعدة كبرى من العلماء والفقهاء والمثقفين من أهل السودان، وكان لهؤلاء دور كبير في العمل على نشر الإسلام في بقية أرجاء البلاد وخاصة مناطق الجبال والمناطق المنعزلة. حيث بدأ كل واحد منهم ينتهج نهجاً خاصاً في سبيل نشر الإسلام ففي منطقة الفونج ظهر الفقيه بدوي أبو صفية، الذي ركز جهوده على جبال النوبا فكان يأتي ببعض أهل النوبا يعلمهم القرآن الكريم ومعالم الفقه والتوحيد، ثم يعيدهم الى بلادهم ليتولوا نشر الإسلام بين ذويهم. وهو بذلك يمثل مدرسة للدعوة الإسلامية في غرب

(1) حسن محمود، المرجع نفسه، ص 325. (2) ممتاز العارف، الأحباش بين مأرب وأكسوم، ص 8 وما بعدها. وقيادة حركة

- 268 -