المدخل إلى تاريخ الإسلام في إفريقية مع دراسة للدور العماني
الجزء ١ · صفحة ٣٨كان الوطن النوبي الأصلي، على ما يذكر الأثريون، في شمال كردفان ولما تكاثر النوبيون بدأوا في الإنتشار خارج أوطانهم ضمن محيط وادي النيل منذ النصف الثاني من الألف قبل الميلاد، فتدفقوا نحو الشمال، حتى وصلوا إلى
حدود جيرانهم الليبيين من الغرب والشمال عبر الواحات المصرية، ودرب الأربعين أما الكثرة فقد استقر بها المقام جنوب مصر وجعلت تلك المنطقة مستقراً لها ومقاماً. ورغم إحاطة الصحراء بمواطنهم الجديد من الشرق ومن الغرب، إلا أنهم تعرضوا لهجات مستمرة من الجنوب ومن الغرب من الجماعات الزنجية. ولذلك فقد عاشت أجيالهم في حالة حرب مستمرة، وأصبحوا مهرة في فنون القتال. ومن أهم قبائلهم: المحس، العديجا في وادي حلفا، والدناقلة والسكوت (1)
لقد ظل الليبيون لفترات طويلة في التاريخ القديم مصدراً للقلق لحكومات وادي النيل في مصر وبلاد النوبة. ويبدو أن هؤلاء كانو امتداداً لجماعات البربر قدموا من جبال أطلس (2) وحاولوا عدة مرات غزو مصر والإستقرار في وادي النيل ولكن ملوك مصر كانوا لهم بالمرصاد، خاصة زمن رمسيس الثاني بعد أن تمكن من صد هجماتهم القوية في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي ق. م. لكنهم ظلوا يترقبون فترات الإضطراب والخلل في الإدارة المركزية الفرعونية، كما اتجهوا إلى شعوب البحر وتخالفوا معهم ضد حكومات وادي النيل خاصة 1227 ق. م. وفي النهاية اضطر رمسيس الثالث 1189 ق. م، أن يسمح لهم بالإستيطان في منطقة الدلتا رغم انتصاره العسكري عليهم غرب منف. فنزلت آلاف منهم في دلتا مصر ثم انتشروا في البلاد فيما بعد (3).
خلال قوته
ويبدو أن العنصر الليبي تمكن من بسط سيادته على المنطقة الممتدة من حدود بلاد المغرب الأدنى حتى دلتا مصر، وتمكن من فرض نفوذه من العسكرية فتوغل في وادي النيل إلى مصر الوسطى، وساد هذا العنصر لفترة زمنية على مصر خاصة في الشمال والوسط وظهر نتيجة ذلك تحول في لون الحضارة الفرعونية في تلك الفترة. كما ظهر من بينهم زعيم حاكم يسمى شيشنق الأول Sheshongi الذي أسس الأسرة الثانية والعشرين الليبية في مصر في حوالي سنة
(1) محمد، عوض، المرجع السابق، ص: 302. (2) بدليل تشابه اسماء قوادهم مع أسماء النوميديين الواردة في تاريخ نوميديا القديم، بالمغرب
الأوسط
(3) جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، جدا، ص: 71.
- TT-