علوم السنة عند الإباضية أحمد بن يحيى بن أحمد الكندي

علوم السنة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٤١

علوم السنة عند الإباضية

K 121

إن الناقد لا يستثني أحدا في روايته مهما جل علمه، وهذا مطبق حتى على أعلام علماء المذهب أنفسهم، كفعل ابن بركة في تعقيبه على أبي عبيدة فيما نقل عنه في خبر الحمر الأهلية، كما أن هدف عملية النقد هو طلب الصحة للرواية، وهذا الهدف نفسه لا يتوصل إليه إلا بالبحث وطلب الأخبار الصحيحة، وقد نادى علماء المذهب بذلك. وهذه الصحة ترتكز على أسس أهمها طلب عدالة الراوي والتأكد من ضبطه وسلامة مرويّه، وقد وجدنا التأكيد على ذلك عند ابن بركة والبسيوي وغيرهما من المشارقة، وكذلك المغاربة على حد سواء، كانوا يستدلون من القرآن أو السنة أو الآثار بما يؤصل الأمور النقدية، على أنهم أكدوا أيضا على ظنية هذه العملية النقدية ونسبيتها لكونها قائمة على اجتهاد بشري قاصر فلعل ما يتوصل إليه أحد بالتصحيح يكون غير ذلك عند آخر.

وتأتي صيغ التصحيح والتضعيف التي عرضناها أثرا من آثار هذه العملية النقدية، وقد رأينا من الصيغ ما يعبر عن الإجماع في التصحيح، سواء ما كان داخل المدرسة الإباضية، أو ما شارك أهلُها باقي الأمة في تصحيحه وهو الغالب في هذه الصيغ، وهذه الصيغ جاءت أثرا لتقسيمهم السنة إلى مجتمع عليها أو مختلف فيها، ومنها ما يؤكد ثبوت التصحيح، ومنها ما يعزو التصحيح إلى قائله. وقد رأينا تعدد صيغ التصحيح مقارنة بصيغ التضعيف التي هي أقل، وإذا كان التصحيح أو التضعيف - أي منهما - بَيِّنَا؛ حكم به، فإذا لم يظهر رأينا منهم التوقف عن التصحيح أو التضعيف، وذلك ما يدل على حذر شديد في تعاملهم مع السنة النبوية على صاحبها أزكى الصلاة والتسليم.

وإذا كان ما عرضناه مدخلا للنقد يكشف عن بدايات ظهور النقد، فإن محاولة استكمال البحث والعرض للنقد تأتي من خلال محاولة فهم أكبر للنقد عندهم، وذلك بمعرفة منهجهم النقدي من خلال القواعد النقدية التي عملوا عليها في نقد الرواية، وهو الأمر الذي سنطرحه في المبحثين التاليين، ووقفتنا نبدأها مع قواعد نقد السند في المبحث القادم.