علوم السنة عند الإباضية أحمد بن يحيى بن أحمد الكندي

علوم السنة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

علوم السنة عند الإباضية

123

ويظهر من تتبع تراث الإباضية عناية فائقة بنقد المتن يقابلها صورة أقل في نقد السند لا نملك إلا الإقرار والاعتراف بها، ولسنا ممن تميل به العاطفة فيكيل الإطراء، ولا ممن يجنح به شطط الجهل بآثارهم فيجحد فضلهم فيضل عن طريق السواء، ولكننا سنعرض ما تمكنا من الوصول إليه من تراث الإباضية، لعله يكشف ولو جانبا من دورهم وأثرهم، ولعل ما ضاع من تراثهم وتباعد أقطارهم وما أصيبوا به من بلاء ومحن في عهودهم وعصورهم معتذر لهم.

هذا وإنه من الإنصاف أيضا أن لا نحاكم المدارس الفقهية بمنهج المحدثين، والمدرسة الإباضية واحدة من هذه المدارس، وقد كان المحدثون والفقهاء على خلاف في منهج التصحيح والتضعيف، وممن كشف النقاب عن هذه المسألة أبو عبد الله الحاكم وابن دقيق العيد، فقد ذكر الحاكم أن من أقسام الحديث الصحيح المختلف في صحته خبرا يرويه ثقة من الثقات، عن إمام من أئمة المسلمين يسنده، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه، قال الحاكم:" وهو صحيح على مذهب الفقهاء، والقول فيه عندهم قول من زاد في الإسناد أو المتن إذا كان ثقة، وأما أهل الحديث فالقول عندهم قول الجمهور، الذين وقفوه أو أرسلوه لما يخشى من الوهم على الواحد (1).

وقد كشف ابن دقيق العيد جانبا آخر من المسألة، فنقل عن الفقهاء أنهم لا يشترطون في صحة الحديث سلامته من الشذوذ والعلة كالمحدثين وذلك لأن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدّثون لا تجري على أصول الفقهاء (2)، على أن الكثير من المحدثين لا يقبلون منهج الفقهاء، والعكس كذلك.

(1) الجزري ابن الأثير أبو السعادات مبارك بن محمد (1210/ 606)، جامع الأصول من أحاديث الرسول، تصحيح محمد حامد الفقي، ط 1، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة 1368 هـ، 1948 م، 99/ 1.

(2)

القشيري ابن دقيق العيد أبو الفتح محمد بن علي بن وهب (1302/ 702)، الإلمام في أحاديث الأحكام، مراجعة محمد المولوي، ط 1، مطبعة دار الفكر، دمشق، 1388 هـ،

1963 م، ص 2.