علوم السنة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٦٧علوم السنة عند الإباضية:
147
القوة في الاستدلال ونفسا في الطرح والعرض، فإذا ما بلغ ما يعتمد عليه درجة القوة المرتضاة نقديا وجدناه صارما في حكمه على تلك الروايات المعارضة للصحيحة عنده، فينقد رواتها ويضعفهم، ويبيّن أنّ مثل هذه الأحاديث المخالفة التي يروونها تؤكّد في نفسه تكذيباً لهم في مثلها.
ونجد أن ابن بركة بالمقابل يحترز في الأخبار التي ينقلونها مما لا يعلم صحته، ولا دلالة عنده عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع تصحيحا أو تضعيفا فيقبلها ويذكر أنها توجب صدقهم فيها (1)، كما أنه يدافع عن الراوي ولو كان مخالفا له إذا اشتهر بأنه ثقة، نفهم هذا من مواقف نقدية له، منها ما أورده خلال كلامه عن قول الحسن بن أبي الحسن البصري: خطبنا ابن عباس بالبصرة، فذكر في خطبته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب صدقة الفطر من شهر رمضان) (2)، يقول ابن بركة فإن قال قائل: "إن الحسن لم يكن في أيام ابن عباس بالبصرة، قيل له: أراد بذلك - والله أعلم - أنه خطب أهل البصرة والحسن من أهلها فلذلك قال: خطبنا"، ثم يعقب ابن بركة بعد إيضاح بعض الأحكام الفقهية لهذه الرواية مرة أخرى حول ما أثير على رواية الحسن بكلام يفهم منه أن مثل هذا الفعل – أي ادعاء الرواية من الحسن لقوله خطبنا وهو لم يكن معهم لا يتجاسر عليه سفهاء
(1) ابن بركة، الجامع، 33/ 2 - 34. (2) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب من روى نصف صاع من قمح، 114/ 2 (1622)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب من قال يخرج من الحنطة … 168/ 4 (7501)، وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الزكاة، باب ممَّ أُوجب صدقة
الفطر، 431/ 2 (10758).
:
وقضية رواية الحسن عن ابن عباس وهل سمع منه مباشرة أم لا؟ مثار نقاش عند علماء علل الحديث يضيق المقام عن طرحها، لمزيد من التفصيل فيها انظر العسقلاني ابن حجر أحمد بن علي (1449/ 852)، تهذيب التهذيب، تح مصطفى عبد القادر عطا، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1415 هـ، 1994 م، 245/ 2