علوم السنة عند الإباضية أحمد بن يحيى بن أحمد الكندي

علوم السنة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٧٣

علوم السنة عند الإباضية

153

وتأتي العدالة في مقدمة ضوابط الرواية عند الإباضية، فمن كان ثقة قبل، وهذه الصفة لا بدّ من تحققها في كلّ رجال السند، لكن هذه العدالة تبقى ظنية الحكم. ويستدل ابن بركة والبسيوي وغيرهما بأدلة على شرط تحقق العدالة مؤكدين عدم تساوي العدل والفاسق في الخبر حسب مدلول هذه الأدلة التي منها آيات الكتاب وفعل النبي، وبمقابل ذلك أيضا الاستدلال على شرعية بيان الفاسق وكشفه وردّ خبره. وإذا ما تحققت العدالة وجب قبول الخبر ما لم يدل أي

شيء على فساده، ولكن يجب التدقيق في إطلاق الحكم في العدالة أو الفسق. أما الضبط فيراه الإباضية أمرا ضروريا، ويؤكدون عليه لكونه يحمي الرواية من الخلل والخطأ، ورأينا تأكيد أبي عبيدة وتلاميذه من بعده على ذلك، بما يكشف عن إلمام بالرواية وفنونها، كما يؤكد ابن بركة ومن جاء بعده على الضبط وأن الاختلاف فيه أحد أسباب الاختلاف في رواية الأخبار، ونجد لابن بركة عددا من الضوابط النقدية المستنبطه يرجح من خلالها بين ضبط الروايات، كترجيح من علّمه صلى الله عليه وسلم النبي وسمع منه على غيره، وترجيح أن يعد كامل المروي لراويه ما لم يقم دليل قوي يميز الإدراج. ولقد أكد الإباضية على اعتبار أدني درجات الضبط بترجيح ضبط الراوي على سهوه.

ويعد اتصال السند ضابطا نقديا مهما، وقد وجدنا شواهد تكشف عناية الإباضية باتصال السند، وترجيح الرواية الظاهرة الاتصال على غيرها، حتى لو خالف فيها المرجح رأي أستاذه وإمامه؛ كما رأينا فعل ابن عبد العزيز، وكذلك رأينا عناية بعضهم بطلب الإسناد عند التحديث ليظهر الاتصال، مؤكدين أن من أسباب اختلاف الرواية وقوع الاختلاف في اتصال السند، وأن الاتصال يقطع بالتلقي المباشر ويكشف كثرة الملازمة وطول الصحبة وغير ذلك من مرجحات

الرواية.

على أنه مما يجدر ذكره هنا أن كثيرا من الإباضية مالوا في الاتصال إلى نهج الفقهاء بكون الأداء على وجه تسكن إليه النفس، واطمئنان النفس بوقوع

الاتصال بين الراوي ومن روى عنه بأي طريق من طرق تحمل العلم المعتبرة.