علوم السنة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨علوم السنة عند الإباضية
188
ومن هذه القواعد أيضا: النقد لمخالفة العقل والحق وصحيح الحقائق، فالنقد بمخالفة العقل ينطلق من اعتبار العقل أداة التمييز ووسيلة فهم الخطاب، فصحيح المنقول لا يتعارض مع مسلّمات العقول، بشرط اهتداء هذه العقول بنور الشريعة، فلا يعني إعمال العقل هنا ردّ الرواية به جزافا، كما أن مثل هذا النقد إنّما يقع على ما يظهر تصحيحه أو اختلف فيه فكان للعقل مجال في البحث فيه عن قرائن
تصحيحا أو تضعيفا، وكذلك ما خالف الحق الجلي الواضح لا يقبل بل يردّ.
ويأتي استخدام منهج التأويل في حل الإشكال الواقع في الرواية مقاربا للنقد بالعقل من حيث استخدام القدرة العقلية في النظر لكليهما، لكنه يفارقه من حيث أنّ الأول يردّه العقل وينفيه، أما الثاني فيفسره العقل ويدرأ عنه الإشكال، وقد وقفنا على تطبيقات لعدد من علماء الإباضية في تخريجهم للروايات بالتأويل، كمحمد بن روح وأبي سعيد الكدمي وابن بركة وغيرهم. ويكشف التأويل عن حذر لديهم في التعامل مع الخبر احترازا من رده لكن هذا التأويل مقيد بضوابط كما ظهر لنا من خلال كلامهم وتطبيقاتهم.
ونجد لمنهج الاحتياط الحاضر الوجود في التراث الإباضي أثره في نقد الحديث، فقد وجدنا تطبيقاته عند علمائهم منذ فترة مبكرة، وفيه يرجحون تصحيح رواية على أخرى يظهر في الغالب تساويهما، لكنهم لتغليب جانب الاحتياط يرجحون إحداهما.
وهكذا بعد هذه الوقفات مع النقد وظهوره في التراث الإباضي والوقوف على بعض القواعد النقدية سواء ما تعلق بالسند أو المتن أجد أن البحث في حاجة إلى استجلاء أكثر لقضية مهمة جدًّا، ألا وهي موقف الإباضية من الروايات
الواردة من غير طرقهم، وسنحاول بلوغ هذه الغاية من خلال الفصل التالي.