علوم السنة عند الإباضية أحمد بن يحيى بن أحمد الكندي

علوم السنة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

علوم السنة عند الإباضية

203

فيها، وذلك لأن ردّه لما لا يعلم أنه كان أو لم يكن ضلال وباطل (1).

إن الردّ للخبر اجتهادي مبنى على انكشاف وجوه خلل تُسبّب ردّه عند من

رده، ومن هنا يأتي حذر علماء الإباضية في تعاملهم مع الخبر، فالرد أو القبول محتاجان إلى احتراز وحذر، وأن يبنيان على أساس ونظر. ويكشف لنا ابن بركة أن ردهم أو قبولهم اجتهادي، وأنه لا يخرج عن دائرة الظني، فيما تبين لهم من فساد ما ردوه من أخبار غيرهم، دون إنكار أن يتفرد رواة بخبر عن غيرهم، معددا بعض أسباب اختلاف الرواة بين بعضهم. يقول ابن بركة مفصلا أسباب الخلاف: "ولسنا ننكر أخبار مخالفينا فيما تفردوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها، لأنا قد علمنا فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم يعلم بفساده أن يكون صحيحاً، وإن لم ينقلها معهم أصحابنا لما يجوز أن يكون البعض من الصحابة علم بالخبر أو بعض الأخبار، ولم يستقص في الكل، علم ذلك الخبر ولم يشتهر بينهم وقد تختلف الأخبار بيننا وبينهم لتأويلها أو لانقطاع بعض الأخبار أو اتصالها وقلة حفظنا فيها، وقد كان بعض الصحابة يصل إلى النبي أو الرجل يصل إلى الصحابي، وقد ذكر بعض الخبر، ومنهم من ينسى من الخبر شيئاً فيغير معناه أو يزيد فيه، ومنها ما ينقل على وجه القصص أو لفائدة الأدب أو لغيره، والصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك، وكذلك اختلفت الأخبار وأحكامها، والله أعلم" (2).

وقد سبق لنا عرض استدلال ابن بركة على جواز رد الخبر، للعالم المتيقظ الحذر، بصنيع ابن عباس في رده خبر) لا تبيعوا الذهب بالذهب … إلخ) (3) الذي رواه أبو سعيد الخدري، وغضب أبو سعيد من ردّ ابن عباس روايته، إذ من لازم الردّ -حسب ما يرى أبو سعيد - اتهامه بالكذب على رسول الله، يقول ابن

(1)

الكندي محمد بن روح سيرة محمد بن روح، (مخ) ص 22.

(2) ابن بركة، الجامع 547/ 1.

(3) تقدم تخريجه، ص 102.