علوم السنة عند الإباضية أحمد بن يحيى بن أحمد الكندي

علوم السنة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٢٣٠

علوم السنة عند الإباضية

210

إلى الله هو المتولي الحكم فيهم" (1)، ومثل هذا التوقف يجد له الناظر في كتبهم

نماذج كثيرة ومتعددة.

وهكذا وقفنا على القبول أو الردّ أو التوقف عند الإباضية في تعاملهم مع الروايات الواردة من غير طرقهم، لكن موضوع القبول والرد في تقديري محتاج إلى تتبع في تراثهم أكبر، وعرض لنصوصهم بشكل أوفر، وبيان لتطبيقات ذلك بعدد أكبر، حتى يجلى ذلك ويكشف عنه، ولكي يمكن أن يستخلص منهجهم في

ذلك ويؤطر.

وما عرضناه هنا حسب تقديري غير كاف لذلك، فعسى أن يقيض الله همة أحد الباحثين لذلك، أو ييسر لي مستقبلا بلوغ شيء من ذلك الأمل، بمزيد بيان لمثل هذا الموضوع الجلل ففي ذلك خدمة للتقارب بين المسلمين، ولفهم أعمق لأسباب الخلاف، ومن ثم لمنهجية جامعة مقربة تتخطى هذا الخلاف، فإن لم يكن ممكنا تخطي الخلاف فعلى الأقل فهم كل طرف للآخر ليكون دافعا للتقارب والتأكيد من خلال ذلك الفهم على ما اصطلح عليه بأدب الخلاف.

ولعله من الجدير بنا في نهاية هذا الفصل أن نؤكد على بعض الحقائق بدت جلية خلاله وفي مقدمتها سمة المرونة والاعتدال في أخذ الإباضية ما ورد من غير طرقهم من الروايات، إذ جعلوا الأصل قبولهم الأخذ عن مخالفهم، وهذا النهج بدا مطبقا منذ تأسيس المذهب عند أئمته الأوائل حتى يومنا هذا، فهم لم يجمدوا على ما عندهم على خلاف ما يظن البعض بهم.

وقد رأينا أمثلة تطبيقية متعددة كشفت ذلك عند جابر بن زيد وأبي عبيدة وتلاميذه فضلا عمن جاء بعده، وقد جعلوا شعارهم قبول الحق ممن جاء به کائنا من كان غير أن هذا القبول كما أسلفنا لم يتخذ طابع التقليد، بل قام على قواعد من التمحيص ووفق ضوابط نظروها ثم طبقوا عليها، كالأخذ من الثقة، وخارج

(1) الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 363/ 3 - 364.