علوم السنة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥علوم السنة عند الإباضية
215
الكذب وسلامتهم، يسأل رجل أنس بن مالك عن حديث حدث به أأنت سمعته من رسول الله، فيغضب أنس غضبا شديدا ويقول: (والله ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله له ولكن كان يحدث بعضنا بعضا ولا يتهم بعضنا بعضا) (1)، ويرد مثل هذا عن البراء بن عازب إذ يقول: (ليس كلنا كان يسمع الحديث من النبي، كانت لنا صنعة وأشغال، ولكن كان الناس لا يكذبون، فيحدث الشاهد الغائب) (2)، ومع أن ابن حجر يضعف سند خبر البراء (3)، لكنه معتضد بخبر أنس.
6 (2)
وهكذا يظهر لنا أن هناك علاقة بين عدم بيان الإسناد والكذب، فلما كان الصحابة بعيدين كل البعد عنه، قلّ بيانهم للإسناد، وكانوا يغضبون ممن يسألهم عنه، إذ في سؤاله مثار تهمة يرفضونها.
ونجد هذا النهج عند كبار التابعين، فالحسن البصري يجيب الرجل الذي قال له في حديث لم يسنده: لو كنت تسنده إلى من حدثك، فيقول: (أيها الرجل ما كذبنا ولا كذبنا ولقد غزونا غزوة إلى خراسان ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد … الخ) (4)، فالحسن يدافع عن عدم ذكره الإسناد، وأنه تلقى عن كثرة كاثرة من الصحابة، ويرى أنّ عدم ذكره الإسناد لا يقلل من قيمة روايته ولا من أهميتها، ومدار الأمر على الصدق والأمانة والنزاهة، ولم يكونوا يرون في عدم ذكر الإسناد ما يقلل من روايتهم، ولا ما يضعفها، وشاع الإرسال عندهم وانتشر
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين كتاب معرفة الصحابة، ذكر أنس بن مالك، 665/ 3 (6458).
(2) أخرجه أبو عبد الله الفهري في السنن الأبين، الطبقات، 133/ 1، وانظر: ابن حجر، فتح الباري، 321/ 13.
(3) ابن حجر أحمد بن علي، فتح الباري، 13/ 321.
(4) المزي، جمال الدين أبو الحجاج يوسف (1342/ 742)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال،
تح بشار عواد معروف، ط 3، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1415 هـ / 1994، 6/ 124.