علوم السنة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨علوم السنة عند الإباضية
218
وهكذا فإن طلب علماء الأمة للإسناد كان دافعه الكذب والوضع الذي بدأ حينذاك، فتطورت علوم الإسناد تلبية لغاية الوقاية منهما، لا سيما حين كثر الكذب والوضع بعد ذلك، ويذكر بعض المحدثين أن عامراً الشعبي أول من فتش عن الإسناد (1).
على أن الإرسال بقي منهجا متبعا، ووجدتُ لابن عبد البر تعليقا على خبر الشعبي يؤكد ما ذكرته من منهجهم، يقول ابن عبد البر: فعلى هذا كان الناس على
البحث عن الإسناد، وما زال الناس يرسلون الأحاديث، ولكن النفس أسكن عند
الخفين فقال: " بينهما رجل وقد ذكر بعضهم الرجل أيوب"، ويذكر ابن أبي خيثمة حديثا رواه ابن سيرين عن عبادة بن الصامت أنه عن مسلم بن يسار عن عبادة، وقال الدارقطني: " لم يسمع بن سيرين من عمران بن حصين، وعلّق العلائي على ذلك بأن روايته عنه في الصحيح، قال خالد الحذاء كل ما قال محمد بن سيرين ثبت عن بن عباس فإنما أخذه عن عكرمة وكان لا يسميه لأنه لم يكن يرضاه، وما ذكرناه هنا جزء مما ذكره المحدثون، ر: أحمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال 487/ 1، 562/ 1، الدارقطني أبو الحسن علي بن أحمد (996/ 385) العلل الواردة في الأحاديث النبوية، تح محفوظ الرحمن زين الله السلفي، ط 1، دار طيبة، الرياض، السعودية، 1405 هـ، 1985 م، 153/ 7، العلائي، جامع التحصيل في أحكام المراسيل،264/ 1 ابن حجر، مقدمة فتح الباري، 427/ 1.
وهكذا يتبين أن المنادين بالبحث والتثبت من التابعين أرسلوا ولم يلتزموا بالإسناد وهذا مما يدل على كون ذلك منهجا متبعا لديهم، على أنني أقف متعجبا في هذا المقام من إمام جليل القدر، كبير المنزلة عظيم الخطر، كمحمد بن سيرين حين يروي عن عكرمة مولى ابن عباس الحبر، ولا يذكره وهو يأخذ عنه مرويات رواها عن البحر، ويظهر أن الخلاف بين هذين العالمين سبب ذلك الإعراض عن الذكر.
(1) تذكر بعض المصادر أن الربيع بن خيثم حدث الشعبي بحديث، فقال الشعبي للربيع بن خثيم من حدثك بهذا الحديث؟ فقال عمرو بن ميمون الأودي، فلقي الشعبي عمراً بن ميمون فقال له: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: عبد الرحمن بن أبي ليلى، فلقي ابن أبي ليلى فقال: من حدثك؟ قال: أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله. ر: الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية 211/ 1، ابن عبد البر، التمهيد، 55/ 1.