علوم السنة عند الإباضية أحمد بن يحيى بن أحمد الكندي

علوم السنة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٢٣٩

علوم السنة عند الإباضية

الإسناد وأشد طمأنينة (1) ..

219

وبعد هذه التوطئة لعل سائلا: يقول ما علاقة ما تقدم ذكره بموضوع الإسناد عند الإباضية؟ والجواب أن ما تقدم بيانه في تقديري يفسر بعض ملامح الإسناد

النشأة

عند الإباضية، فقد كانت فترة عهد الصحابة والتابعين تمثل على الدوام عهد لفكر الأمة كلها، والإباضية جزء أصيل منها، ارتبطت نشأتهم بالصحابة بشكل مباشر، وكان لمنهج الصحابة في كيفية الأخذ والأداء عندهم واضح الأثر، كما أن أئمة المذهب الأوائل كانوا من رجالات التابعين بل كانوا فيهم من أولي النظر ولذلك رأينا ظلال أثرهم في موضوع الإسناد، فبقي الإرسال وعدم الإسناد في جانب من روايتهم للسنة والأثر، ولعل هذا يفسر وجود الكثير من الروايات المتناقلة بدون ذكر الأسانيد، إذ لما كان ذلك نهجا لكثير من الصحابة والتابعين، وكان التحديث بتلك الطريقة كما رأوه لا يسيء إلى السنة نفسها، اقتدى بهم الإباضية في ذلك.

وإذا ما ربطنا هذا التفسير بالقضية الثانية التي طرحناها، وهي علاقة طلب الإسناد بظهور الكذب وانتشاره، وإلحاح المحدثين على الإسناد وتفتيشه، لحماية السنة من الوضع والكذب وأهله - والعلاقة في حقيقة الأمر طردية بين الكذب وطلب الإسناد، فكلما انتشر الكذب وزاد زاد الطلب والتفتيش عن الإسناد - وجدنا خلو ساحة الإباضية من مثل هذا الكذب أو الوضع وباعتراف مخالفيهم (2)، وكيف لا يكون كذلك وهم يرون الكذب كبيرة من الكبائر، ويعتقدون في صاحبه إن لم يتب الخلود في النار (3)، وهذا في الكذب، عموما، فكيف بالكذب على الرسول فهو عندهم من أعظم الجرائر.

(1) ابن عبد البر، التمهيد 55/ 1. (2) الخطيب البغدادي، الكفاية، 130/ 1.

(3) لمزيد من التفصيل حول مسألة خلود مرتكب الكبيرة إن لم يتب ر: السالمي، مشارق أنوار العقول، ص 378، الجعبيري، البعد الحضاري، ص 716.