علوم السنة عند الإباضية أحمد بن يحيى بن أحمد الكندي

علوم السنة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٢٤٠

علوم السنة عند الإباضية

220

وقد أدى ذلك التنزه عن الكذب عندهم إلى خلو ساحتهم من الوضع وخلوص ما تناقلوه من السنة فيما بينهم، فلم يكن ذلك الإلحاح على طلب الإسناد، طالما أن السنة تناقلها فيما بينهم أئمة حفاظ فقهاء كانوا أنوار دهرهم، وهذا كله في تقديري أدى إلى ضمور علوم الإسناد بين علومهم. ونحن إن قومنا هذا الأمر وفق منهج المحدثين، فعندئذ يكون هذا الضمور قصورا منهجيا لا يمكننا إلا الإقرار به والاعتراف، وإن حاولنا فهم دافعه وتفسيره.

المبحث الثاني: الإسناد في ما دونه الإباضية:

إن ما سبقت الإشارة إليه من ضمور علوم الإسناد لا يعني عدم وجود الإسناد عند الإباضية، فقد وجد في روايتهم ونقلهم، لكنه لم يكن عاما لكل نقولهم، وسنحاول في هذا المقام عرض نماذج من أسانيدهم والحديث عنها.

ويأتي في مقدمة ما نقل بواسطة الإسناد، ما رواه الحافظ الحجة الربيع بن حبيب المحدّث الثقة عند النقاد (1)، وقد سمّى كتابه المسند وهو مسمى له دلالته عند أهل الإسناد، كما أنه حوى شرف ثلاثيات الإسناد، وفي مقدمة هذه الثلاثيات، ثلاثية ذهبية كل مقطع من مقاطعها علم منير للفضل والرشاد، وهي سلسلة الربيع عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن جابر بن زيد عن عبد الله بن عباس، ويعد هذا السند عند الإباضية في الذروة العليا من مراتب الإسناد، ويصفه القطب محمد اطفيش بأنه أصح أسانيد ابن عباس (2)، ويَعتَبِرُ أنّ أصح الأحاديث ما رواه الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المزيد ورع هذا السند وضبطه (3).

ولم يكتسب الإسناد المتقدم هذا الحكم، ويتبوأ هذه المكانة السامقة عندهم، إلا بسبب ما عرف عن رجاله من علو كعبهم، وسعة حفظهم وإتقانهم، وظهور دقتهم

(1)

تقدم بيان ذلك ص. (2)

اطفيش محمد بن يوسف جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 412.

(3) اطفيش محمد بن يوسف، وفاء الضمانة، 7/ 1.