علوم السنة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦علوم السنة عند الإباضية
256
المرويات ونقلها عبرها، فإن مثل هذه الدراسة مع مقارنتها وتخريجها من كتب الرواية ستقدم لنا الكثير من الفوائد والنتائج.
وهناك جانب مهم عند الإباضية معبر عن نموذج لفن الإسناد والنقل عبر حلقات متصلة قائمة على الأخذ والتلقي والأداء يتمثل في حملة العلم وسلاسل نسب الدين أو نسب الإسلام.
فحملة العلم إلى المغرب والمشرق هم مجموعات علمية حفظت والرواية من مواطنها في الحجاز والعراق، ونقلتها إلى الأقطار التي اتجهت إليها، وكان ذلك مصاحبا لدورها الدعوي الذي تبنى فكر المذهب الإباضي ودعا له.
كما كان هناك دور مكمل لسلسلة نسب الدين عند إباضية شمال إفريقيا، وسلسلة نسب الإسلام عند إباضية المشرق، وهؤلاء كان لهم دور في نقل الروايات والآراء وسائر العلوم، وقد تلقى أوائل هذه السلاسل عن حملة العلم، وتم نقل العلم عبر هذه السلاسل إلى الأجيال المتعاقبة.
إن ما تقدم يكشف عن عناية بالإسناد لا يمكن تجاهلها عند الإباضية، على أن هذه العناية - في تقديري لا تزال محتاجة إلى مزيد من العناية والإبراز والدراسة والتحقيق، وكذلك إلى دراسة جملة الروايات المنقولة عبر تراثهم ومقارنتها، وذلك محتاج إلى رسائل عدة، ولعل مثل هذه الدراسات أن تزيد من جلاء الحقائق المغمورة بما يخدم التقارب بين المسلمين.
وإذا كان هذا الفصل كشف عن جانب من العناية بعلوم الإسناد وهو ما يتعلق بالإسناد وتسلسله، فهناك جانب أخر مكمل له، ومدقق لرجال الإسناد، يعني بصفة مهمة فيهم، ألا وهي العدالة والأمانة، ثم لما كان التعديل فنا مستقلا في علوم الإسناد، عولنا على الوقوف عليه، وجعلنا تمام ذلك في الفصل القادم، الذي هو بعنوان" الجرح والتعديل".