علوم السنة عند الإباضية أحمد بن يحيى بن أحمد الكندي

علوم السنة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٣٦٣

علوم السنة عند الإباضية

343

وحول قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (الفتح (26/ 48)، يكشف بيوض جملة من المعاني؛ منها: فألزمهم كلمة التقوى أي كأنه ألصقها بهم، وغرزها في قلوبهم فالتزموها في أقوالهم وأفعالهم، وحركاتهم وسكناتهم، وكلمة التقوى هي: لا إله إلا الله، وشجرة التقوى المتمكنة تؤتي أكلها كلَّ، حين، كما ضرب الله بها المثل. ويكمل بيوض بيان ذلك بقوله: " وإذا تأملنا قوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى

ثمَّ قوله: {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا، نرى العجب والعظمة في ثلاثة أمور: أَوَّلاً - وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى: ومن ألزمه الله شيئا لا يمكن أن ينفك عنه، ولا أن يفكّه عنه أحد، لا شيطان إنس ولا شيطان جنّ.

ثانياً - {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا يعني: هؤلاء هم أحق بالتقوى، فقد يصف الناس أنفسهم بالتقوى، فيقول أحدهم: أنا متَّقِ، أو عندي تقوى، ولكن الأحق بالتقوى هم هؤلاء، وهم أحقُّ بحقيقة الاتصاف بها من غيرهم، ولا يوجد من يماثلهم فيها، والصبغة جاءت على صورة اسم التفضيل.

-

ثالثاً وَأَهْلَهَا: لم يكتف الله تعالى بما تقدَّم فزاد قائلا: {وَأَهْلَهَا، وكأنه يقول: هؤلاء هم أهل التقوى، فإذا سألتهم عن أهل التقوى؟ فهم هؤلاء، وإذا سألتهم: من أحقُّ بالتقوى؟ فهم هؤلاء، وإذا سألتهم عمَّن ألزمهم التقوى، لا تنفك عنهم ولا ينفكون عنها فهم هؤلاء، فلله ما أعظم هذه الأوصاف (1). ومن الآيات التي استشهد بها بيوض قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا من بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل 110/ 16)، ويبين أن التعبير بلفظ: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ أَن الله تعالى جعل نفسه لهم، وأن هذا التعبير أقوى وأعظم من المعيَّة المستفادة من قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (النحل 128/ 16)، فإن لم يكن

(1)

بيوض إبراهيم بن عمر، فضل الصحابة والرضا عنهم، ص 30 - 31