علوم السنة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٣٧١علوم السنة عند الإباضية
351
كلامه - والله أعلم - أن الصحابة، إذا اختلفوا، تختار بين أقوالهم، ولا تحدث عليهم قولا، وغير الصحابة إذا اختلفوا تجتهد لنفسك وحدك (1).
ذلك جعل ابن بركة لعهد الصحابة مزية أعلى من أن يطولها أي عهد ومع بعدهم حتى لو كان عهد التابعين؛ فيؤكد على أن خلاف التابعي على الصحابة ليس كخلاف بعض الصحابة على بعض، فالتابعي لا يبلغ طبقتهم، ويعلل ذلك باعتبار الصحابة الحجة التامة فالله جعل شهادة الصحابة على الناس مثل شهادة
الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم؛ واستشهد ابن بركة على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة 143/ 2)،
فلا يجوز وقوع الخطأ في شهادتهم إذا كانت شهادتهم كشهادة الرسول ويظهر من هذا الاستدلال حجية نقلهم ولزوم تصديقهم أكثر من تقليدهم
عليهم
في
(2)
أقوالهم، ولعل مراد ابن بركة هو هذا الجانب والله أعلم.
ويرى ابن بركة أن في تقليد الصحابة اتباعا لسبيل المؤمنين مستشهدا بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُولِّه مَا تَوَلَّى وَنُصله جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ (النساء 115/ 4)، والخارج من قول الصحابة متبع لغير سبيل المؤمنين (3).
ونبقى في حيرة من عبارة ابن بركة المتقدمة فإن كان أراد بها اتباع ما اتفق عليه بين الصحابة وجرى به العمل في عهدهم فصار كالإجماع عندهم حتى ما كان منه سكوتيا فلا إشكال في ذلك، وأغلب الظن أنه أراد ذلك بدليل أنه استشهد بعد العبارة السابقة بالحديث الذي يعد دليل حجية الإجماع، وهو قول النبي: لا) تجتمع أمتي على ضلال) (4)، وأما إن كان المراد غير ذلك فقد صرح
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 521.
(2)
(3)
ابن بركة، الجامع 221
م. س، 22/ 1.
(4) تقدم تخريجه ص 67.