علوم السنة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٣٧٢علوم السنة عند الإباضية
(352
ابتداء بجواز التقليد والاتباع (1).
على أننا نجد لابن بركة ما يدلّ على أنّ الصحابة كلّفوا الاجتهاد وحالهم فيه كباقي الناس، فهو يذكر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّفوا أن يجتهدوا في حكم الحوادث التي كلّفهم الله الحكم فيها، و قد كان الواحد منهم يحكم بإباحة فرج، أو تمليك حال، ثم يقف في ذلك على خبر عن رسول صلى الله عليه وسلم بعد اجتهاده، فيرجع إليه ويعمل به، ويترك ما كان عمل به قبل، وفي ذلك ما يدل على أن الإنسان إنّما كلّف أن يأتي بما هو حق عنده (2)، وهذا الذي ذكره ابن بركة يدل على أن قول الصحابي عنده ليس بحجة ملزمة.
وهذا الرأي القائل إن قول الصحابي ليس حجة أكدّه ابن خلفون بقوله:" ولا يجوز لمن له أدنى تحصيل من النظر تقليد عالم وإن عظم قدره وجلت منزلته، صحابيا كان أو غيرهم ممن دونهم لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (النساء 59/ 4)، ويدلّل نور الدين السالمي في ترجيحه كون قول الصحابي ليس حجّة، بأن من لازم القول بحجيته أن لا يختلف الصحابة، والحال ليس كذلك، فالخلاف بين الصحابة قد وقع واشتهر، مع أنهم لم يروا لزوم أن يتبعهم في رأيهم من جاء بعدهم وصار ذلك كالإجماع بينهم، وقد نقل الإجماع على عدم حجية قول الصحابي على صحابي مثله، كما نقل الخلاف على حجيته على من بعده، ويرى نور الدين السالمي أنه إذا لم يكن قول الصحابي حجة على صحابي مثله فكذلك على غير الصحابي إذ لا فرق بينهما (3).
ومن المسائل المصاحبة لحجية الصحابي مسألة التخصيص بقول الصحابي، ويذكر الوارجلاني أن مذهب الصحابي لا يصح أن يخصص به العلم حتى لو كان راويا، وذكر من شواهد ذلك فتيا أبي هريرة في إناء ولغ فيه الكلب، إذ ذهب
(1): ابن بركة، الجامع 1 22 - 23
(2) ابن بركة، التعارف، ص 8. (3) السالمي، شرح طلعة الشمس 65/ 2.