علوم السنة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٤٢٣علوم السنة عند الإباضية
403
كشف لنا ما تقدم بيانه في فصل مختلف الحديث هذا عن جانب من عناية الإباضية بمتن الحديث ودرايته، ووقفنا خلاله على ما يعبر عن فقههم للحديث وفهمهم لاستدلاله واستنباطه.
ويأتي فهم أسباب الخلاف وبيانها بيانا للمختلف وأسبابه كما عرضها ابن بركة، وهذا الفهم معين في الوقت ذاته في درء التعارض ودفعه.
ويرى الإباضية أن دفع التعارض يتم من خلال مسالك تتمثل مرتبة حسب الأولوية في النسخ و الجمع و الترجيح، فإن تعذر كل ما سبق فالتوقف لاستواء
الأمرين، وفي التوقف يقع التخيير، أو جواز الاثنين على خلاف بينهم في ذلك. والنسخ يقع إذا عرف ما يدل عليه، فإن تعذر فالجمع أولى لأن إعمال الدليلين أولى كما يظهر من أقوال العلماء، ثم الترجيح بمرجح، ومنهم من يقدم الترجيح على الجمع، ثم التوقف بعد ذلك.
وللجمع طرق كثيرة أهمها الجمع بالتخصيص، وقد رأيت قاعدة الجمع ف التراث الإباضي من أكثر مسالك دفع التعارض حضورا، والجمع بالتخصيص من أكثر طرق الجمع ورودا.
وللجمع بالتخصيص كما رأينا أمثلة كثيرة، غير أن التخصيص محتاج إلى حجة تثبته، ومنها ضرب من الجمع رأينا فيه الاستعانة بالتأويل وقد سميته الجمع بالتأويل، وله أمثلة كثيرة منبثة في التراث لكنه منضبط بضوابط من العلم والدراية والفهم والإدراك للرواية وما يحيط بها، ومنها أيضا الجمع بحمل المفسر على المجمل وبحمل المطلق على المقيد، وبحمل الأمر على الندب أو على الكراهة، أو باختلاف الأحوال، أو باعتبار الزيادة، أو بجواز الأمرين. وكل هذه الطرق من الجمع لها أمثلة وشواهد مثلنا ببعضها، بما يكشف حضورها في تراث
الإباضية.
أما الترجيح فقد كشف لنا عن جانب أخر من إدراك الرواية وفهمها، فالترجيح مرحلة أقوى من سابقها، إذ من لازم الترجيح إدراك المرجحات وأوجه الترجيح،