علوم السنة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٤٦٦علوم السنة عند الإباضية
446
ويؤكد الإباضية على ثبوت حقيقة النسخ، مستدلين على وقوعه بدلائل عدة، مفتدين دعوى من أنكره، محتجين عليهم بدلائل من الكتاب العزيز وغيره. ويفرق الإباضية بين النسخ والتخصيص، فالتخصيص قد يقع بدليل عقلي والنسخ بالشرعي فقط، والتخصيص لا يشترط فيه التراخي كالنسخ، والنسخ يبطل حجية المنسوخ، بخلاف التخصيص فلا تنتفي حجية العام المخصص، وغير ذلك مما ذكر، كما يفرقون بين النسخ والبداء، فالبداء محال على الله إذ من لوازمه
الجهل، بينما تتجلى في النسخ الحكمة والعلم بما يصلح العباد؛ وغير ذلك من فوارق، ويحدد الإباضية ما يقع فيه النسخ، فميدانه الأحكام العملية الفرعية فقط. أما أقسام النسخ فهي نسخ القرآن للسنة ووقع الخلاف بينهم فيه وأكثرهم على جوازه، ونسخ السنة للقرآن وجمهورهم على جوازه، ومنهم من فصل ففرق بين المتواتر والآحاد في نسخ القرآن، ونسخ السنة للسنة وقد صرح الإباضية بجوازه، لكنهم اختلفوا في نسخ المتواتر بالآحادي، وقد رأينا بيانهم لتلك الأقسام وأمثلة ذلك والأدلة المحتج بها في كل موضع والخلاف في مواضع الاختلاف.
وتكشف لنا طرق معرفة النسخ التي بيّنا عن مزيد من التدقيق العلمي مع ذكر شروط النسخ المتقدّمة، وهي تعبر عن الحجج التي يستدل بها على النسخ، كبيان النبي صلى الله عليه وسلم للنسخ وتصريح الصحابي بالنسخ، والعلم بالتاريخ وهو من أهم طرق معرفة النسخ، والاستدلال على النسخ بالاجماع، ووجود أمارات دالة على النسخ، وكذلك بيان راوي الحديث للنسخ.
ويأتي ذكر نماذج من ناسخ الحديث ومنسوخه تطبيقا لمعرفة لفن ناسخ الحديث ومنسوخه، ومؤكدا الحاجة الفقهية لمعرفة الناسخ والمنسوخ، ومبينا أوجه الاختلاف بين من يرى النسخ من عدمه في تلك النماذج والآثار الفقهية المترتبة على ذلك، وما ذكرناه مجرد أمثلة ونماذج مبوبة حسب السياق الفقهي الذي وردت فيه، ولعل تبويبها الفقهي يؤكد ثمرات معرفة الناسخ والمنسوخ الفقهية
المتقدمة الذكر.