علوم السنة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٤٩٧علوم السنة عند الإباضية
477
لا تَجْعَلَنِّي كَمَنْ فِي صَدْرِهِ لَكُمُ أَبَدُ العَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالْإِحَنِ (1). أوجزت الألفاظ الواردة في الحديثين المتقدمين صفة بعض من ترد شهادتهم فلا تقبل، وأوحت من خلال دلالتها ومعانيها بعلة دفع شهادة هؤلاء، فمن العلل ما يرجع إلى صفة عاطفية تتمثل في العداوة والحقد كالجنَّة، ومنها ما يرجع إلى صفة عقلية كالجنّة، أو يرجع إلى مظنة الخيانة والتهمة كذي الغمر والظنَّة وغير ذلك، وفي ذلك يكشف دقة التشريع في إحقاق الحق وحمايته. حديث زيد بن خالد الجهني) أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللُّقَطَة فقال احفظ
عِفَاصَها ووكَاءَها ثم أعرضها سنة ثم إن جاء صاحبها فردها إليه) (2). قال ابن بركة " عِفَاصُها ووكَاؤُها هو الوعاء الذي يكون فيه من خرقة أو جلدة أو غير ذلك يقوم مقامه، أو يكون في معنى ذلك، وكذلك سمت العرب ما يشدّ به رأس القارورة عِفَاصَها، لأنه كالوكاء: شيء كالوعاء، والصمام ما يدخل في فم القارورة فهو سدّ به رأسها وليس ذلك عفاصها، والوكاء هو الخيط الذي يشد به، يقال: أَوْكَيْت إيكاء وعَفَصْتُها اعْقَاصا إذا شدَّ العِفَاصَ عليها، وإذا جعل
لها الجاعل
عقاصاً، فقال: عَفَصْتُها (3).
جاء جواب النبي للسائل مؤكدا حقوق الناس وأملاكهم، فعبر بالعفاص والوكاء مبالغة في ذلك، إذ على اللاقط حفظ ما تشدّ به تلك اللقطة فضلا عما بداخلها، أضف إلى ما يحمله لفظ الوكاء من دلالات الحفظ والضبط والصون، وكلها تخدم المعنى الفقهي المراد في حكم اللقطة والمحافظة عليها بما يؤكد حزم الشريعة في حماية ملك الغير وتربيتها أتباعها على النزاهة والأمانة.
(1) السوفي، السؤالات (مخ)، ص.207. قال ابن الأثير: " الجنّة العداوه وهي لغة قليله في الإحته وهي على قلتها قد جاءت في غير موضع من الحديث ر: ابن الأثير، النهاية
453/ 1
(2) أخرجه البزار في مسنده، ما أسند زيد بن خالد الجهني، 231/ 9 (3773).
(3)
ابن بركة، الجامع، 217/ 1. وقد تقدم بيان العفاص والوكاء.