كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ١ · صفحة ٤٩٣فالاستفهام مسبّب عن الجهل، والجهل مسبّب عن كثرة الدعوة، إذ يبعد جهل القليل وكثرة الدعوة مسبّبة عن الاستبطاء، فأطلق السّبب وأريد المسبّب ولو بواسطة، وكالتعجب فإنّ التعجب يستلزم الجهل، والجهل يستلزم الاستفهام، نحو: ﴿ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ ﴾(1) كان الهدهد لا يغيب عن سليمان عليه السلام إلاّ بإذنه كسائر الطير وغيرها، فلمذا لم يبصره في مكانه تعجّب من حال نفسه كيف لا يراه، هذا في ظاهر الأمر، وفي الحقيقة تعجّب من غيبته؛ كيف غاب بلا إذن منه ؟ ويحتمل أن يكون استفهاما حقيقيا إذ لا مانع من أن يتعجّب الإنسان من حال نفسه إذا خفيت عنه، أي كيف لم أره؟ ألساتر ستره؟ أو لغفلة بصره؟ أو كلاله؟ أو لإخفاء الله إياه؟ أو لاختلاطه بالطير في غير محلّه وهو على ذلك كلّه في مكانه؟ أو لغيبته ثم ظهر له أنّه غائب؟ كما أضرب بقوله: (أَمْ كَانض مِنَ الْغَائِبِينَ) وإنّما يمنع تعجّب الإنسان من حال نفسه إذا لم تخف، وهنا خفيت على هذا التقرير، مع أنّه يصح تقرير آخر، وهو أنّ المسؤول عنه وجوده مانع للرؤية، ومنه الغيبة وليس ذلك حالا لنفسه، وكالتنبيه على الضلال عن أمر؛ لأنّ الاستفهام عن الشيء يستلزم تنبيه المخاطب عليه وتوجيه ذهنه إليه، فإذا سلك طريقا واضح الدلالة بزعم المتكلّم، كان هذا غفلة من المخاطب عن الالتفات إلى ذلك الطريق، فإذا نبّه عليه ووجّه ذهنه إليه كان تنبيها له على ضلاله، فالاستفهام عن ذلك الطريق يستلزم توجيه ذهنه إليه المستلزم له أن يعلم أنّه على ضلال، كقوله تعالى ﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾(2) إذ ليس القصد استعلام مذهبهم بل التنبيه على ضلالهم، وأنّه لا مذهب لهم ينجون به، وكثير ما يؤكّد هذا الاستعمال بالتصريح بالضلال، فيقال لمن ضل عن طريق القصد: " يا هذا إلى
(1) - سورة النمل جزء من 20 الآية الكريمة ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ ﴾
(2) - التكوير 26