مختارات المسكري
الجزء ١ · صفحة ١٩٩ورق الأشجار، وروح يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيى الموتى؛ قال الشيخ: فهل كانت القوية تعرف موضع الضعيفة منهما؟! قال بشير: قاتلك الله، ماذا تريد أن تقول: إنها لا تعلم، وماذا تريد أن تقول: إن قلت إنها تعلم، قال الشيخ: إن قلت: إنها تعلم قلت فيما تغني قوتها حين لا تطرد هذه الآفات عنها، وإن قلت: إنها لا تعلم، فكيف تعلم الغيوب ولا تعلم موضع روح معها في جسد واحد؟! فسكت بشير، فقال الشيخ: أسألك بالله هل عبدتم الصليب مثلا لعيسى بن مريم أنه صلب؟ قال بشير: نعم. قال الشيخ فبرضا كان منه أم بسخط؟ قال بشير: هذه أخت تلك، ماذا أن تقول؟ إن قلت: برضا منه وماذا تريد أن تقول إن قلت بسخط، قال الشيخ: إن قلت برضا قلت: لقد قلتم قولًا عظيما، فلم تلام اليهود إذا أعطوا ما سألوا وأرادوا، وإن قلت بسخط قلت: فلم تعبد ما لا يمنع نفسه ثم قال الشيخ بشير: نشدتك بالله هل كان عيسى يأكل الطعام ويشرب ويصوم ويصلي ويبول ويتغوط وينام ويستيقظ ويفرح ويحزن؟ قال: نعم قال الشيخ نشدتك بالله لمن كان يصوم ويصلي؟ قال: الله عزَّ وجلَّ، ثم قال بشير: والضار النافع ما ينبغي لمثلك أن يعيش في النصرانية أراك رجلًا قد تعلمت الكلام، وأنا رجل صاحب سيف ولكن غدا نأتيك بمن يخزيك الله على يديه ثم أمره
تريد
بالإنصراف.
فلما كان من الغد بعث بشير إلى الشيخ، فلما دخل عليه إذا عنده قس عظيم اللحية، قال له بشير: إن هذا رجل من العرب له حلم وعقل وأصل في العرب؛ وقد أحب الدخول في ديننا فكلمه حتى تنصره، فسجد القس لبشير، فقال: قديماً أتيت إلى الخير، وهذا أفضل ما أتيت إليَّ، ثم أقبل القس على الشيخ، فقال: أيها الشيخ ما أنت بالكبير الذي قد ذهب عنه عقله، وتفرق عنه حلمه، ولا أنت بالصغير الذي لم يستكمل عقله، ولم يبلغ حلمه غدًا أغطسك في المعمودية غطسة تخرج منها
198