مختارات المسكري
الجزء ١ · صفحة ٥٩صحبة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - للنبي في رحلة الهجرة
:-
:
لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان
قالت عائشة بنت أبي بكر - رضي رضي الله عنها الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله طرفي النهار بكرة وعشية "، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً قبل الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد، لقيه ابن
الدغنة، وهو سيد القارة.
فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. فقال له ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يخرج، ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فارجع فاعبد ربك ببلدك، وأنا لك جار.
فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش. فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، ولا يُخرج، أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا
وأبناءنا.
فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه - وكان أبو بكر رجلًا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن - فأفزع
ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم.
58