مقامات عبد الله بن علي الخليلي لأحمد درويش
الجزء ١ · صفحة ١١" فلما وقفت منه على السارية الكبيرة لأصلي ركعتين تحية المسجد قبل الظهيرة ، لم أكد أنفتل من صلاتي وأكمل تحياتي ، حتى رأيت شيخا عليه سمة الوقار ، وسمت الصالحين ، يعلوه الخشوع والانكسار لله رب العالمين ، وكأنما أمسك بيده اليمنى ناصية الجنة فتهلل وجهه نورا يغشى الناس والجنة ، وكأنما دفنت يده اليسرى والعياذ بالله في بؤرة النار ، فبكى وأبكى من حوله خوفا من دار البوار ، وهو يهيب بالناس إليه ، ويجمعهم لديه في لسان زلق ، وصوت صهر لصق " والناس إليه كالسيل الجارف ، والحلقة تجمع الجاهل والعارف " . ولعل هذا النص يقدم إلى جانب رسم ملامح البطل ، فكرة عن لغة المقامة وهي لغة كانت دائما ذات طبيعة خاصة ، تختلف عن لغة الشعر من ناحية وعن لغة الأجناس النثرية الأخرى كالرسالة والمقالة والرواية من ناحية أخرى ، وبقدر ما كانت لغة المقامة ، التي تميل إلى الغرابة ، سببا لشهرتها وتوجيهها إلى أهداف تعليمية في عصور كثيرة ، بقدر ما كانت سببا في جفاف العناصر القصصية في المقامة وضمورها عصرا بعد عصر حتى أوشكت على الاختفاء ، والواقع أن لغة المقامة عند الخليلي كانت تعمد أحيانا إلى استعراض المهارات اللغوية ، وحشد الكلمات الغريبة ، وخاصة في تلك المقامات التي تكون اللغة نفسها هدفا لها ، كما حدث في المقامة الثالثة ، التي تحمل عنوان لما المقامة اللغوية مما حيث احتشدت الكلمات الغريبة المتتالية لدرجة اضطر معها المؤلف لأن يضع للصفحة الأولى من المقامة وحدها خمسة وأت بعين هامشا لتفسير الكلمات الغريبة وتبدأ هذه المقامة على النحو التالي .